فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الخداع اصل النفاق
وتعتبر صفة الخداع من أهم وأبرز صفات المنافقين ، بل ان الخداع هو اصل النفاق ، لان القرآن الكريم يقول : { يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلآَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } (البقرة/9) اي انهم يحاولون خداع الله تعالى وخداع المؤمنين ، ولكنهم لايخدعون إلاّ انفسهم .

وعلى هذا فان صفة الخداع هي جذر صفات المنافقين ، الذين تتفرع منه سائر الصفات . فهم يحاولون خداع رب العالمين ، وحتى في يوم القيامة نرى بعض هؤلاء المنافقين الذين يحملون صفة النفاق من الدنيا الى البرزخ ، بل وحتى في يوم الحشر يحلفون لله تعالى كذباً، وهوشاهد عليهم .

ومع ذلك فان المنافق الذي يحاول خداع الطرف الاخر ، فانه يبتلى - في الواقع - بالخداع الذاتي ، لان الناس لا يقبلون منه خداعه . ولكنه ولكي يثبت خداعه ، فانه يبحث لنفسه عن بعض الادلة الواهية التي تتراكم في ذهنه بمرور الزمن وبشكل تدريجي حتى تتحول الى قناعة كاذبة .

ان هذه المحاولة - محاولة خداع الاخرين - انما تتحول الى خداع ذاتي للسبب التالي الذي سنحاول ان نوضحه من خلال ضرب هذا المثال :

عندما تريد ان تقنع شخصاً ما بان ما في القدح الذي في يدك هو عصير برتقال وليس ماء ، فانك ستقول له ان هذا السائل الذي في القدح هو عصير ، او ماء مضاف ، او ماء برتقال . ولكي تثبت ادعاءك هذا فانك ستحاول ان تبحث عن دليل فتقول له - على سبيل المثال - ان عصير البرتقال ليس برتقالي اللون ، بل هو عديم اللون . فيقول لك الطرف المقابل ان عصير البرتقال برتقالي اللون . وكذلك تقول له ان هناك نوعا من البرتقال في بعض بلدان العالم عصيره عديم اللون ، فيجيبك : ولكنه يفقد الطعم . فتقول له : نعم ولكن حاسة ذوقك مخطئة ،فيشرب وهو يوحي الى نفسه ان فيه طعم البرتقال . وهكذا تحاول ان تقنعه بشتى الادلة بان الذي يشربه هو عصير البرتقال وليس ماء .

وهكذا تتراكم الادلة حتى تقتنع انت من الناحية النفسية بان السائل الذي في القدح هو فعلا عصير برتقال ، في حين ان الطرف المقابل اكتشف منذ البداية انك غير صادق فيما تدعي ، ولكنك شيئا فشيئا تورطت واصبحت اسير كذبك .

وفي هذا المجال تروى قصة لطيفة تقول ان شخصين اتفقا على ان يدعيا للناس ان احد المواضع مدفون فيه احد ابناء الائمة عليهم السلام ، فأصبح احدهم سادناً ، والاخر خادماً . فما كان من اهل القرية الا ان التفوا حول هذا الموضع بسبب بساطتهم وسذاجتهم، وبالطبـع فانهم في هذه الحالة مثابون لانهم فعلـوا ذلك بنيات صادقة، واهداف زاكية . وعندما جمع الاهالي مقداراً من المال ، واعطوه لذينك الشخصين ، اختلف هذان الشخصان على المال ، فقال احدهما ؛ لي ثلثاه باعتباري سادناً ، ولك الثلث لانك خادم . اما الآخر فقد قال : لقد اتفقنا منذ البدء على المناصفة ، فلابد ان يكون لكل منا نصف المال . واذا باحدهما يحلف للآخر قائلاً : بحـق المدفون في هذا القبر فان هذا المال لي . فضحك الآخر وقال: واي مدفون تقسم به ، ان هذا القبر الوهمي ليس فيه اي احد ! وهكذا وبسبب تكراره الكذب على الآخرين اقنع داخلياً بسلامة وصحة كذبه .

والملاحظ ان القـرآن الكريـم في الآية السابقـة لم يقل (وما يعقلون)، بل قال (وما يشعرون)، لان الشعور ادنى من العقل . فالانسان الذي يكذب على الآخرين ثم يصبح هو نفسه اسير كذبته بسبب كبريائه وغروره ، واخذ العزة له بالاثم ، فانه لا يمتلك العقل فحسب ، بل انه لا يمتلك الشعور ايضا نتيجة لهذا الخداع الذاتي .

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب