فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
صدق على طول الخط فالتاريخ - مثلاً - يحدثنا بكل فخر عن واحد من المؤمنين الصادقين الذين باعوا حياتهم الدنيا بالآخرة ؛ فكانت قلوبهم طاهرة سليمة ، ونفوسهم نقية تقية ، وكلماتهم صادقة صريحة ، ومواقفهم واضحة لا لبس فيها ولا تدليس ، وسلوكهم في حياتهم الاستقامة والثبات .. فرضوا بما قضى الله تعالى لهم وما قدر . انه ابو ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه ، ويكفيه فخراً وعلو منزلة وقدر ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال في حقه : " ما أظلّت الخضراء ولا أقـلّت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر ". ([22])
لقد بلغ في الصدق درجة بحيث انه كان صادقاً في جميع مواقفه، حتى تلك التي كان ينبغي فيها الكذب لضرورة العقيدة ، ولكنه صدق - مع ذلك - فكان الله عز وجل معه ؛ فقد حمل رسول الله صلى الله عليه وآله بردائه على ظهره ، وخرج من البيت يوم تآمروا على قتله صلى الله عليه وآله . فلما سأله الكافرون عن الذي يحمله على ظهره ، قال وبكل صراحة : انه رسول الله . فظن المشركون ان اباذر يستهزىء بهم ، فهل يعقل ان يقول الحقيقة لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله على ظهره فعلاً ؟
وهكذا خدعهم ابو ذر بصدقه وذكائه . فكانت مواقفه الصادقة هذه دليلاً على شجاعته ، وقوة نفسه الأبية .
عن زيد بن وهب ، قال مررت على أبي ذر بالربذة فقلت : ما أنزلك بهذه الأرض ؟ قال كنا بالشام فقرأت { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ } قال معاوية : ما هذه فينا ما هذه إلاّ في أهل الكتاب ، فقلت انها فينا وفيهم فكان بيني وبينهم في هذا الكلام .. فوصل ذلك الى عثمان ، فكتب اليّ : ان شئت تنحيت عنه . فذلك الذي انزلني هنا . ([23])وجاء في رواية أبي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله : { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لاَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَاكُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } قال : كان ابوذر الغفاري يغدو كل يوم وهو بالشام فينادي بأعلا صوته : بشّر أهل الكنوز بكيٍّ في الجباه ، وكيٍّ بالجنوب ، وكيٍّ بالظهور أبداً حتى يتردد الحر [ق] في أجوافهم . ([24])وهكذا فان الرجال على نوعين : نوع يبقى ذكره خالداً بالسمو والرفعـة كأبـي ذر عليه الرحمة ، ونوع يلفظه التاريــخ ، واذا ما ذكر فباللعن الابدي . وهناك اناس يتأرجحون بين الاثنين ؛ فمنهم من يميل الى كفة النفاق ، وهم ذوو التبرير والتردد ، وهؤلاء كثيرون فيالعصر الاول للاسلام ، وكثيرون على امتـداد فترات التأريخ التي شهدت منعطفات في الحركات والمواقف الثورية ضد داء الانحراف الذي استمر يدب في جسد الامة بدء من رؤوس انظمتهـا .
ان المنافق - كما قلنا - كالكافر ، بل هو اسوأ منه ، فهو حين يقـوم بالفرائـض العباديـة فان قيامـه هذا لاينبـع من اعتقاد صحيح في قلبـه ، بل يصدر من المراءاة ، وربما خوفاً من المجتمع الذي يحيط به . والمعذرون - حسب التعبير القرآني - او المبررون هم اقل درجة من المنافقين ؛ فالمعذر يستخدم - مثلاً - الثورية بدلاً من اظهار الكذب الحقيقي والصريح ؛ اي انه يكذب بطريقة لا تشعرك بانه يكذب . وهذا هو حال اكثر الاشخاص المحيطين بنا . فالتبرير والاعتذار والالتواء هو الداء الاجتماعي الخطير الذي يسري في عروق مجتمعاتنا، ولعله يعشش في نفوسنا جميعـاً إلاّ من عصمه الله تعالـى .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|