فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
مرحلة جديدة من الصراع الاجتماعي
وإذا ما تحول النفاق الى طبقة اجتماعية بهذا الاسلوب ، فحينئذ تبدأ مرحلة جديدة من الصراع الاجتماعي في الأمة الاسلامية . وقد تجسدت هذه المرحلة في التاريخ الاسلامي عندما هاجر النبي صلى الله عليه وآله الى المدينة ، وقد كان مع المهاجرين من اصحابه صلى اللهعليه وآله طائفة من المنافقين . ولكن النفاق كان مجرد بذرة فيهم، اما الشريحة الاجتماعية الكاملة من المنافقين فقد ظهرت في المدينة المنورة بقيادة (عبد الله ابن ابي) الذي اسلم في الظاهر ولكنه كان يمارس دور النفاق في الواقع . وقد كان هؤلاء المنافقون يمثلون الطابور الخامس لقريش واليهود ، فكانوا يتعاونون معهم على جميع الاصعدة ؛ في السلاح ، وفي المال ، وفي مجال تقديم المعلومات لهم عن تحركات المسلمين .

وفي مقابل ذلك كان من الواجب على المؤمنين ان يتمتعوا باليقظة الكاملة ، والحذر الشديد .. فكانوا مضطرين الى ان يحاربوا على جهتين ؛ خارجية وداخلية . ولذلك كانت هذه المرحلة من المراحل الصعبة والخطيرة التي مر بها الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنون في المدينة المنورة .

صحيح انه صلى الله عليه وآله قد أسس دولة ايمانية، ولكن الصعوبات التي واجهتها هذه الدولة الفتية كانت اكثر بكثير من الصعوبات التي كان المؤمنون قد واجهوها في مكة المكرمة . وقد وصلت هذه الصعوبات الى مستوى من الخطورة ، بحيث ان هؤلاء المنافقين قاموا وبايعاز من اسيادهم المشركين واليهود بمحاولات جادة لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله والقضاء على الدولة الاسلامية الفتية. ولكن محاولاتهم تلك باءت بالفشل الذريع .

وهكذا فان الفئـة المنافقـة التي وجدت فـي الأمـة الاسلاميـة كانتفي البدء مجرد مجموعة صغيرة من الاشخاص ، ولكن هؤلاء الاشخاص مالبثوا ان تحولوا شيئاً فشيئاً الى منافقين من الدرجة الاولى. بل ان البعض منهم كانوا مؤمنين بادىء ذي بدء ، ولكن الظروف المتغيرة في الامة الاسلامية ، والامتحانات المتوالية ، سرعان ما حولتهم الىمنافقين . فبدؤوا ينضمون الى الطبقة المنافقة حتى تنامت ، واستفحل أمرها .

ولأجل ان نحذر جبهة النفاق ، قال الله عز وجل : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الاَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } (التوبة/101) . وقد كان من ضمن هذه الشريحة المنافقة ، جماعة من اهل المدينة ، الذين نشؤوا وتربوا على النفاق . وهذه الشريحة موجودة دائما في المجتمع ، وهي تميل على الدوام الى تأييد الجانب الاقوى والوقوف معه . ولم يخف الله جل وعلا مصير هؤلا عنا ، إذ قال : { سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } (التوبة /101) .

وخلاصة القول : ان الله تبارك وتعالى قد بيّن لنا في الآيات السابقة مراحل النفاق ؛ وهي مرحلة ظهور بذرة النفاق في قلب الانسان ، ومن ثم تحولها الى شجرة خبيثة عندما لا يفي الانسان بعهوده تلك فيصبح بذلك منافقاً حقيقياً . وحينئذ يتحول النفاق الى طبقة اجتماعية ، عندما لا يقف الانسان مع الحق فتدفعه الظروف الى ان يكون مع الباطل .

وفي هذه المرحلة بالذات تظهر المشكلة الاساسية امام الامة ، لان الطبقة المؤمنة من الممكن ان تتهاون وتتخاذل ، ويعتريها الضعف والفتور .. عن مواصلة المسيرة . في حين ان الطبقة المنافقة تبدأ بالنمو والانتشار حتى ينتهي امرها الى تزييف القيم وتحريف المبادئ ،ومن ثم اضلال الأمة .




فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب