فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
النفاق بين الذات والمجتمع


كيف يستطيع الانسان ان يميز منذ البدء هل انه يتحرك باتجاه الله تعالى أم باتجاه الشيطان ، وهل يسير نحو التكامل الى ان يدخل الجنة أم انه في حالة هبوط الى قعر نار جهنم ؟

ان الانسان اذا استمر في حالة السقوط حتى يجيئة ملك الموت ليقبـض روحـه ، وليكتشف انه من اهل النار . فان هذا الاكتشاف لا فائدة من ورائه ، لان الانسان لا يمكنه آنئذ ان يعيد النظر في حياتـه . فهو انما يأتي الى الدنيا مرة واحدة ، فهل ستسمع الملائكة كلامهعندما يقول : { رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ } وعندما يأتي الجواب { كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (المؤمنون /99-100) . ان مثل هذا الكلام الذي يبدي من خلاله حسرته وندمه ، لا يمكن ان ينفعه ذلك . لان اكتشاف الانسان لحقيقة مسيرته ، وتحركه يجب ان يكون منذ البدء .

وعلى هذا فاي مقياس يجب اتباعه ، وما هي النظارة التي لو جعلها الانسان على عينيه وبلور بها بصيرته استطاع ان يكتشف وجهة سيره ؟

في هذا المجال يقول رب العزة : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالاَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } (الكهف/103-104)؛ فهم يتصورون انهم سائرون في طريق الحق ، وانهم يقومون بالاعمال الصالحة ، ولكنهم سيكتشفون في نهاية المطاف انهم في النار . وانهم هم الاخسرون اعمالاً ، فلا يوجد احد غيرهم اكثر خسارة منهم .

وعلى هذا فـان القضيـة المهمـة هي اكتشاف الطريق منذ البدء من خـلال الاستناد الى مقياس معين تقدمه لنا الآيات القرآنيـة التالية : { وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ اُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآءَاتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } .

ان القرآن الكريم يشير في هذه الآيات ان هناك بعض الناس يحومون حول انفسهم ، ويتمحورون حول ذواتهم ، ويتحركون بدافع من مصالحهم . فكعبتهم شهواتهم ، وهدفهم اشباع ميولهم ورغباتهم وتحقيق الانا والذات في انفسهم .. وهناك البعض الآخر مرتبطون بمقدار الصدقات التي يحصلون عليها ؛ فان اعطاهم الرسول صلى الله عليه وآله المقدار الكافي قالوا : نعم الرسول هذا الرسول ، ونعم الدين هذا الدين . اما اذا لم يعطوا من تلك الصدقات ، اذا بهم يسخطـون ويتذمرون وينهالون باللوم والتقريع على الرسول والرسالـة .

وهناك نوع آخر من الرجال يشير اليهم ربنا جل وعلا بشكل غير مباشر في قوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآءَاتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } . وهؤلاء الاشخاص ذوو مطامح وتطلعات متمحورة حول الحق . فالشيء الذي يرضي الله تعالى ، ويرضي الرسول صلى الله عليه وآله يرضيهم ايضاً .

وفي هذا المجال يروى ان الامام علي عليه السلام سمع ذات مرة ان احد القادة الكبار في جيشه قد ارتكب معصية شرب الخمر ، وربما كان هذا الرجل قديرا من الناحية العسكرية ، وربما كان انساناً صالحاً ولكن الشيطان وهوى النفس دفعاه الى ارتكاب هذا الذنب ، وبعد ان ثبت للامام عليه السلام من خلال الشهود ان ذلك القائد قد شرب الخمرة بالفعل ، استدعاه ثم اجرى عليه الحد امام الناس بنفسه. فما كان من ذلك القائد إلاّ ان قال للامام عليه السلام وهو ممتعض من اجراء الحكم عليه ( ما مضونه ) : يا أمير المؤمنين الفرار منك كفر، والبقاء معك لا يطاق ، انني لا استطيع ان التحق بمعاوية واتركك لكي انضم الى نظام الكفر ، وحكم الظالمين ، ولكن الذي يبقى معك ، وينصرك ، ويحارب من اجلك ، ويضحي بنفسه في سبيلك فانك لا تحترمه بل تأتي به امام الناس لكي تجري الحد عليـه ، وبعد ان فرغ هذا الرجل من كلامه قال له الامام علي عليـه السلام مصححاً مفاهيمه الخاطئة هذه : كلاّ ، ان البقاء معي عز .

وبنـاء على ذلك فان اقامـة حكم الله تعالى في الارض هو عز لكـل الناس . فعندما يجرى الحد على الانسان الضعيف المسكين الذي لا يمتلك سنداً من عشيرة او قبيلة .. ثم يجرى نفس هذا الحد على القائد الاعلى في الجيش ؛ فان الحكومة التي تتعامل بهذا العدل والمساواةمع ابناء الشعب ، انما هي عز له . وعندما يكون الانسان بهذا المستوى ، ويرضى بحدود الله تبارك وتعالى على نفسه ، ويخضع ويرضخ عن طيب خاطر للحد الذي يجرى عليه ، فانه سيكون في الحقيقة انساناً كاملاً ، ومواطناً صالحاً ، وان كان وزيراً او قائداً . فتسليمه للحكم الاسلامي يعني تسليمه لله ، وللقيادة الرسالية التي يؤمن بها .

وفي الحقيقة فان هذا هو التسليم والايمان الحقيقان . والفرق بين المؤمـن الحقيقـي والزائف يظهر جلياً هنا ، كما يقـول الله تعالى : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } (النساء/65) .

فعندما يحكم الله ، ويحكم رسوله ، وتحكم القيادة الرسالية التي تؤمن بها وبفضلها وايمانها وتقواها وكفاءتها ، وعندما تحكم بينك وبين خصمك وغريمك ، ثم يكون هذا الحاكم لصالح خصمك هذا ، فحينئذ يجب ان لا تجد في نفسك حرجاً مما قضت ؛ اي يجب ان لا تتظاهر بانكراض عن هذا الحكم ، بل يجب ان لا تجد في قرارة نفسك غيظاً او سخطاً فيما يتعلق بذلك الحكم ، لانك ان لم ترض بهذا الحكم فانك ستكون قد كفرت بالله تعالى وبحكمه . فالراد على حكم القيادة الشرعية هو كالراد على حكم الله .

وهكذا فاذا اردت ان تكتشف هل انك تسير في طريق الحق ، ام في طريق الباطل . فان المقياس هو ان تلتف حول القيادة الرسالية ، وتحوم حول الحق سواء كان لك ام عليك .

النفاق بذرة خبيثة :

والنفاق يشبه الى حد كبير بذرة صغيرة تسقط في نفس الانسان ثم تنمو وتنمو حتى تصبح شجرة خبيثة اصلها في القلب ، وفرعها في النار . وهذه حقيقة ، فالانسان لا يستطيع ان يكتشف هذه البذرة الخبيثة ، والخلية الفاسدة التي تشبه الخلايا السرطانية التي نستطيع ان نسيطر عليها في البدء ونقضي عليها ، ولكن هذه البذرة بعد ان تتنامى وتتكاثر فانها تتحول الى شجرة تكون فروعها في جميع اعمال الانسان وسلوكياته ، بل وحتى في نظرته وآرائه حتى يصل هذا الانسان الى درجة يكون فيها مصداقاً لقوله عز من قائل : { وإِِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَتُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } (البقرة/11) . فتتجمع الغشاوات على عين الانسان ، ويجتمع في اذنه الوقر ، ويحتجب قلبه في الاكنان ، ولا يستطيع ان يرى الحقيقة ، فتسلب منه البصيرة ويتحول بذلك الى مجرم من الدرجة الاولى في جميعمفردات وجوانب حياته .

وفي الحقيقة فان الطغاة في التاريخ كانوا كسائر البشر ، فقد خلقهم الله عز وجل خلقـاً سويـاً كما خلق سائر الناس ، ولكن وبسبب نمو جذور النفاق في انفسهم فانهم تحولوا الى مجرمين لا نظير لهم من مثل فرعون ونمرود وشداد والحجاج وهتلر وصدام ..

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب