فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
كيف نواجه النفاق ؟ من أيـن يبدأ النفاق في شخصية الانسان ؟ وكيف يجب أن نعالجـه؟ وماهي حقيقـة أزمـة النفـاق ؟
ان هذه مجموعة من الاسئلة اذا تمكنا من الاجابة عليها فسيكون بمقدورنا مواجهة مرض النفاق . فنحن لا نستطيع معالجة داء ما حتى نشخصه على هيئته الحقيقيـة ، أو نتعرف على أسبابه على الأقـل . والاهتمـام البالـغ الذي ينبغـي ان نوليه لأزمة النفاق انما ينبع منأبعـاد ثلاثة كما يبـدو .
البعد الأول : لاننا بشر تعترينا الكثير من الابتلاءات من كل جانب ومكان ، وفي كل وقت وأوان . وبالتالي فنحن معرضون للاصابة بداء النفاق مالم نصمد أمام الابتلاءات .
البعد الثاني : لأن المجتمع يضم فيما يضم اناساً منافقين ، ونحن ولا مراء في ذلك مجبورون علىالاحتكاك بهم . وهذا الاحتكاك ان لم يكن بداعي المعالجة ، فانه سيأتي بداعي التعامل اليومي . فالمرء ماذا بوسعه ان يتصرف فيما لوكان أحد اخوانه - والعياذ بالله - مصاباً بمرض النفاق ؟ فبداعي قابلية التأثير والتأثر المخلوقة في الانسان والتي تسايره في كل وقت ، لابد له من أن يخلق له المناعة ضد سريان المرض اليه بالدرجة الأولى ثم يعمل على ازاحة هذا المرض عن أخيه أو تحديده بالدرجة الثانية .
البعد الثالث : لأن حركة النفاق هي الحركة السائدة في عالم اليوم، على صعيد التعامل الدولي والاقليمي والمحلي . نعود لنتساءل : كيف نواجه النفاق كمرض ؟ وماهي أسبابه الحقيقية ؟
أقول : ان الانسان حينما يعيش حياة هادئة طبيعية خالية عن المشاكل ، وخالية عن التعرض للابتلاءات اليومية ؛ لن يستطيع معرفة أبعاد شخصيته السلبية منها والايجابية . فهو غير قادر على تحديد مستوى تحمل صدمة خسارته المالية - مثلاً - ما لم يعمل في التجارة والأسواق . وهو لايستطيع ان يدعي الكرم ما لم يحل أحدهم ضيفاً عليه . وليس بامكانه الادعاء بانه متسامح في حال عـدم تنازلـه وتواضعـه في شؤون المنافسة على تسنم المناصب .
فالفارق كبير جداً بين موازين القوة وموازين الفعل من وجهة النظر الرياضية . ان من طبيعة بني البشر العجز عن اكتشاف قابلياتهم وطاقاتهم دون وجود ميادين عملية للاستفادة من هذه الطاقات والقابليات .
من يثبت لنا ان هذا الانسان انسان مؤمن غير منافق من دون ان يتعرض الى فتن المال والقوة والجنس والتعصب والتحزب والرئاسة والحسد والعيوب والآلام ؟
من يثبت لنا ان هذا الفـرد فرد مؤمن غير منافق ما لم ينجح باجتيـاز وغلبة هذه الفتن الجبـارة ؟
كان أمير المؤمنين علــي عليه السلام جالساً بين عدد من أصحابه في مسجد الكوفة ذات يوم ، وعند ذاك مرت امرأة أمامهم ، فما كان من بعض من يدعي صحبة الامام إلاّ ان لاحقوا المرأة بنظراتهم المريبة ، فأمرهم الامام بغض انظارهم عن الحرام .
ان هذا امتحان وفتنة ذات حدين ؛ الاول : امتحان لمعرفة من يصبر حيال ارتكاب العمل الحرام . والثاني : فتنـة لأمير المؤمنين عليه السلام وهو سيد المتقين ، في ممارسة مهامه وواجباتــه كحاكــمللمسلمين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
قلنـا ان النفاق مأخوذ من النفق وهو الموت ، والمخلوق قد تكون احدى جوانبه ميتة ، وتتفاوت نسبة الموت لديه . واصطلاحاً يمكن القول ان المنافق من كانت روحه ميتة، والشيطان يعمل على استمرار حالة الموت في هذه الروح . وقد كان هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكي الاسبق ينصح موظفي السلك الدبلوماسي الامريكي في محاوراتهم مع مسؤولي الدول الأخرى بالنصيحة التالية : " اضرب حيث لا يكونون " اي ان الدبلوماسي الامريكي ينبغي عليه من وجهة نظر كيسنجر أن يستغل جوانب الضعف في نظرائه ، وان يستغلوا النقاط والمفاصلالتي ينعدم فيها تأثير مفاوضيهم . فهو - كيسنجر - يرى ان انعدام التأثير بمثابة عدم الوجود ، فعليه ينبغي الضرب على هذه النقطة حتى حصول المراد .
وحينما يصلي الانسان الضعيف النفس صلاته تراه هادئاً وقوراً ، وحال دخول أحدهم في مصلاه تراه يستجيب لوساوس الشيطان الرجيم والنفس الأمارة ودعوتها بضرورة اضفاء مزيد من الوقار والاهتمام بقراءته وركوعه وسجوده لكسب المديح والثناء من الناظر اليه . وهو - بطبيعة الحال - يغفل أشد الغفلة عن ان الله جلت قدرته خبير بالظاهر والباطن ، بل هو أقرب اليه من حبل الوريد ، وأعلم به من نفسه . انه لايهتم باطلاع الباري عليه بقدر اطلاع الناس عليه ، ولا ينظر أو يترقب ثواب الرحمن الرحيم بقدر ترقبه لكيل المديح والثناء عليه من قبل الناس الذين لايضرونه ولاينفعونه شيئاً !..
ومرة كنت أتمشى في شوارع احدى المدن في شهر رمضان المبارك، واذا بي أرى بعض الرجال متحلقين حول بعضهم يلعبون بورق القمار ويدخنون السجائر . وما أن اقتربت منهم مخفضاً رأسي سلمت عليهم ، فقاموا احتراماً لي محيين وقد جمعوا أوراق القمار واطفئوا لفافات التبغ. فشكرت احترامهم لي كشخص روحاني ، وقلت لهم : أراكم قد احترمتوني ولم تحترموا أوامر الله سبحانه ! ان الله هو الذي أمركم بالصوم فلم تطيعوه ، ونهاكم عن الميسر فلم تنتهوا .. انني لا أملك لكم من دون الله نفعــاً ولا ضــراً ، فهو الذي ينبغي ان تخافوه وتحذروهوتمتثلوا لأوامره التي فيها نجاتكم وخلاصكم .
المهم فـي الأمر ان الرياء من أشد انواع النفاق خطراً على سلوك الانسان . فمـن النفاق ان يظهر المرء البشاشة على ملامح وجهه لأخيه ثم يطعنه من وراء ظهره ، ومن النفاق ان لايطابق قول الانسان الحسـن فعله الحسن . وقد قال تبارك وتعالى في كتابه المجيد : { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } (الصف/3) . فمهمـا يكون عليه داء النفـاق من خفـاء فان الله خبير بـه ؛ مطـلع عليه ؛ فهو الذي يعرف خافية الصدور وما يحاول الانسان اخفائه جهـلاً منه وعنتاً .
ان داء النفاق يتخذ حالات لا تحصى عدداً ، ويصل الحال به ان يخفى على الانسان ذاته ، لاسيما وان الانسان مفطور على العجالة والجهالة .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|