فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
ضرورة الاخلاص: فلنخلص العمل والنية، ولنحطم الانداد والاصنام، فاذا بنا نجد انفسنا عند الله سبحانه وتعالى نناجيه ويناجينا، ونتحدث معه ويتحدث معنا. فقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: "قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمان"(19)؛ اي ان هذا القلب يتقلب مع الله جل وعلا ، كما كان حال امامنا أمير المؤمنين عليه السلام الذي وصف نفسه قائلا:"ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله قبله وبعده ومعه ". صحيح ان عين الانسان ترى المظاهر المادية، ولكن علياً عليه السلام ينفذ ببصيرته من خلال هذه المظاهر الى رب المظاهر ، ومن خلال الدلائل الى رب الدلائل ؛ اي انه لا يرى المظهر، بل يرى ما روائه. ولذلك اكد عليه السلام على ان الخالق جل وعلا ، انما يرى من خلال البصائر والحقائق وذلك في قوله :" لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان". (20) وعلى هذا لكي نصل الى الله جلت قدرته، ولكي نتحدث معه، ولكي نحبه ويحبنا ، ونرضى عنه ويرضى عنا.. فان علينا ان نسقط كل الاصنام التي يقف في مقدمتها صنم الانانية. فكلنا من آدم، وآدم من تراب. ومادامت حبات التراب لاتختلف، فان البشر ايضاً لايختلفون عن بعضهم إلاّ بالتقوى، كما يقول رب العزة: { يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات/13) . وعلى هذا فان من الواجب علينا ان لانفتخر بأصلنا ونسبنا. فالنسب لايمكن ان ينفع الانسان من دون العمل الصالح. فعلى سبيل المثال ان ابن شيخ المرسلين نوح عليه السلام لم تنفعه صلته القريبة بهذا النبي، ولم تستطع ان تنجيه من الغرق، لانه لم يكن مؤمناً بالله تعالى كما يروي لنا ذلك القرآن الكريم في قوله: { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } (هود /45-46) . وعلى هذا يجب علينا ان نسقط هذا الحجب والحواجز، وننصهر في بوتقة الايمان. ولذلك نجد المسلمين في مكة المكرمة عند الطواف والمسعى ، وفي عرفة والمشعر ومنى وغيرها من المشاعر المقدسة هم اقرب ما يكونون من الله جل وعلا، لانهم حطموا في تلك اللحظات جميع الحواجز. فتراهم جميعهم على اختلاف الوانهم ، ولغاتهم ، ومراكزهم الاجتماعية يهتفون قائلين : " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك ". فالميزات التي تميز الانسان عن الآخر تسقط كلها في موسم الحج. فعلى سبيل المثال، فان الملابس التي تعتبر من الامور التي يتميز بها انسان عن آخر ، ترى في الحج ان الجميع يرتدون لباساً واحداً متشابهاً، هو لباس الاحرام. فتتهاوى مظاهر الترف والزينة، لانها تعتبر من الامور المحرمة في الاحرام . وهكذا ففي موسم الحج يشعر الانسان بالروحانية والصفاء . فترى النفوس تلتهب ايمانا وتتوقد معرفة بالله تقدست اسماؤه، فكلمات الدعاء تنبع من اعماق الانسان، وتختلف عما نعيشه في غير موسم الحج، حيث تحيط بنا الدنيا وزخارفها. فلنخرج من هذا السجن الذي حبسنا فيه انفسنا، لتشرق على قلوبنا شمس الحقيقة، وحينئذ نقترب من الله جل وعلا، ونتخلص من حالة البعد والاحتجاب عنه بالحواجز والحجب الدنيوية .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|