فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
علاقة الاسماعيلية بأئمة اهل البيت ( عليهم السلام ) بعد هذا السرد المختصر لتاريخ الحركة الاسماعيلية ، نتساءل : هل كان لهذه الحركة ارتباط وعلاقة مع قيادة الحركة الرسالية الامامية ، ام لا ؟ لقد اجبنا في البداية على هذا السؤال بشكل مختصر حينما بيّنا بأن ميمون القداح ، وهو الذي يعتبر العامل الرئيسي في نشأة الحركة الاسماعيلية ، هذا الرجل كان صاحب ومولى للامام الباقر ( عليه السلام ) وأحد صحابة الامام الصادق ( عليه السلام ) ، وهو الذي استخلفه على حفيده محمد بن اسماعيل . وهذه الحقيقة تدل على واحد من امرين : الاول : اما ان يكون ميمون القداح ، قد انحرف من المذهب الرسالي الجعفري ، الى المذهب الاسماعيلي المعروف . وهذا امر مستبعد ، لان بعض فقهاء الرسالة نقلوا عنه الاخبار والاحاديث ووثقوه . الثاني : او انه كان مكلفا من قبل الامام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ومن بعده الامام موسى الكاظم ( عليه السلام ) بتأسيس وتحريك طريقة معينة من العمل داخل الأمة الاسلامية في ذلك الوقت ، وهذا ما نراه . ولقد اثارت شخصية ميمون القداح موجة من التساؤلات بسبب حساسية موقعه من الحركة الاسماعيلية ، ومغالاة ابناء هذه الحركة في حقه وجعله شخصية اسطورية . وايضاً بسبب معاداة المعارضين لهذه الحركة الشديدة لميمون الذي اتهموه بكافة التهم التي يفتريها الطغاة ضد مؤسسي الحركات الثورية . ونرى ان ميمون القداح لم يكن سوى واحداً من الموالين المتشبعين بروح الثورة ، وقد وفّر له قربه من الامام الباقر ونجله الامام الصادق ( عليهما السلام ) فرصة كافية لمعرفة اصول الحركة الرسالية . وحين كلفه الامام الصادق ( عليه السلام ) بالاشراف على تربية حفيده محمد ابن اسماعيل الحبيب الى قلوب العائلة المفجوعة بوفاة ابيه اسماعيل ابن الامام الصادق المبكر .. بدأ بتأسيس حركة ثورية معارضة للنظام الطاغوتي ، وهو لا يتحمل سلبيات هذه الحركة ، كما لا يتحمل الشهيد زيد بن علي ( عليه السلام ) سلبيات الحركة الزيدية في التاريخ ، وقبل ان نسرد بقية قصة ميمون نلقي نظرة خاطفة على نظرات كتب الرجال - والتاريخ - حوله وذلك عبر ثلاث مصادر رئيسية . اولاً : عن كتاب جامع الرواة الموثق عند فقهائنا ومؤلفه العلامة الاردبيلي .. يقول عن الميمون القداح في المجلد الثاني ص 286 ما يلي : " وجدت في كتاب جبرئيل بن احمد بخطه . حدثني محمد بن عيسى عن محمد بن الفضل الكوفي عن عبد الله بن عبد الرحمن عن الهيثم بن واقد عن ميمون بن عبد الله عن الباقر ( عليه السلام ) ، وذكر ما يدل على تشيعه " . وجاء ايضاً : ميمون القداح مولى بني مخزوم المكي ، مولى بن هاشم روى عنهما . وأورد العلامة الاردبيلي عدداً من الروايات التي رواها ميمون القداح عن الامام الباقر ( عليه السلام ) والتي هي موضع اعتماد عند علماء المذهب الاثنى عشري . منها : عن علي بن الحكم عن معاوية بن وهب عن ميمون القداح عن ابي جعفر ( عليه السلام ) في باب ان من عف عن حرم الناس عف عن حرمه في اواخر كتاب النكاح ، ابن القداح عن ابيه عن ابي جعفر ( عليه السلام ) في باب كراهية ان يبيت الانسان وحده في كتاب المروة . عنــه عن ابيه ميمون عن ابي جعفر (عليه السلام) فيه وفي باب اتخاذ الاجل بعد كتاب الدواجن ، عنه عن ابيه ميمون عن ابي عبد الله ( عليه السلام ) في باب قسمة الغنيمة ، عبد الله بن ميمون عن آبان عن ميمون القداح عن ابي جعفر (عليه السلام) باب النوادر في كتاب فضل القرآن اما عن عبد الله ابن ميمون القداح يقول عنه العلامة الاردبيلي في جامع الرواة ص 512 ج 1 ما يلي : " عبد الله بن ميمون الاسود القداح كان يبري القداح المكي مولى بني مخزوم روى ابوه عن ابي جعفر وابي عبد الله ( عليهما السلام ) وروى هو عن ابي عبد الله ( عليه السلام ) وكان ثقة . حدثني مهدوية عن ايوب بن نوح عن صفوان بن يحيى عن ابن خالد صالح القماط عن عبد الله بن ميمون عن ابي جعفر ( عليه السلام ) قال : يا ابن ميمون كم انتم بمكة ؟ قلت نحن اربعة ، قال : اما انكم نور الله في ظلمات الارض ؟ ثم يورد العلامة الاردبيلي عنده من الروايات التي رواها عبد الله بن ميمون القداح في ابواب الفقه المختلفة عن الامام الصادق ( عليه السلام ) وعن ابيه عن الامام الباقر ( عليه السلام ) . ثانياً : اما المؤرخ المصري ، المقريزي فيقول عنه : " قد وقفت على مجلدة تشتمل على بضع وعشرين كراسة في الطعن في انساب الخلفاء الفاطميين تأليف الشريف المعروف ( بأخي محسن ) يقول فيها : ان هؤلاء القوم من ولد يصان الثنوي الذي تنسب اليه الثنوية . وديصان هذا ولد إبناً يقال له ميمون القداح ، وكان له مذهب في الغلو ، فولد لهذا ابن يقال له عبد الله ، وكان عارفا عالما بجميع الشرائع والسنن والمذهاب ، وولد لعبد الله هذا ابن يقال له احمد بعد ان مات ، فقام إبنه احمد هذا في ترتيب الدعوة وادعى بأنه من نسل محمد بن اسماعيل . ويؤكد اخو محسن بان عبد الله المهدي او محمد المهدي هو سعيد بن الحسين بن احمد بن عبد الله ابن ميمون القداح بن الثنوي الاهوازي واصلهم من المجوس . ويــرد المقريزي على هذا القول ، فيقول : " ان بني علي ( رض ) قد كانــوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد ، وجلالة القدر عند الشيعة ، فما الحامل لشيعتهم على الاعراض عنهم والدعوة لابن مجوسي او يهودي ؟ فهذا مما لا يفعله احد ولو بلغ الغاية في السخف والجهل ، وانما جاء ذلك من قبل ضعفة بني بالعباس عندما غضّوا بمكان الفاطميين . فأنهم كانوا قد اتصلت دولتهم نحواً من مأتين وسبعين سنة ، وملكوا من بني العباس بلاد المغرب ، ومصر ، والشام ، وديار بكر والحرمين واليمن ، وخطب لهم ببغداد نحو اربعين خطبة ، وعجزت عساكـر بـني العبـاس عـن مقاومتهـم ، فلاذت حينئـذ الى تنفـير الكافـة عنهم بإشاعة الطعن في نسبهم " (1) . وعندما عجزوا عن مقاومة الفاطميين والوقوف في وجههم اثناء حكمهم بلاد المغرب ومصر والشام، وديار بكر والحرمين واليمن وبغداد (2)، عمدوا الى الطعن في نسب الائمة الفاطمين ليسودوا صحائفهم وليجروا الناس الى كراهيتهم ، وان القضاة الذين سجلوا شهادة الطعن على السماع في بغداد كانوا من الد اعداء الفاطميين ومن اخلص شيعة بني العباس ولم يعرف عنهم التجرد والنزاهة والصدق بل اشتهروا بكراهيتهم وبغضهم ونقمتهم على آل علي بن ابي طالب ( عليهم السلام ) منذ ابتداء الدولة العباسية فتآمروا عليهم وطاردوهم وبطشوا بهم اينما وجدوا . ثالثاً : اما المستشرق الروسي ، البروفسور فلاديمير ايقانوف فيستنتج من بحوثه حول الاسماعيلية : 1 / ان ميمـــون القداح وولده عبــد الله لم يكون من الفاطمييــن اصــلاً ، ولــم يجمعهما بهم أية صلة رحم . 2 / انهما لم يكونا ديصانيين او زنديقين ، بل كانا فقيهين ورعين ، وان الدعوة السرية الالحادية التي تنسب اليهما لم تكن الا من نسج الخيال . ويرى ايقانوف ان الخلفاء الفاطميين اخفوا انسابهم وفروع ذوي قرباهم ، خوفا من اعدائهم في البلاد الخارجة عن سلطانهم على اولئك الاقربين ، وان قصة ميمون القداح وولده هذه ، ما هي الا اسطورة وخرافة . ويورد الاستاذ ايقانوف الاحاديث التي وردت في كتاب الكافي في علم الدين برواية عبد الله بن ميمون ، ووالده ميمون بن القداح ، والاحاديث التي رواها عبد الله ، ونسبها الى والده ميمون ، وعددها مائة وخمسون حديثاً ، منها مائة وثلاثون نقلت من كتاب الكافي والبقية نقلت من كتاب تهذيب الاحكام . ويخلص ايقانوف الى ان الاحاديث المذكورة توضح ان ميمون القداح كان على صلة بالأمام محمد الباقر ( عليه السلام ) ، وهناك ما يدل على انه كان ضمن خدم اسرة الامام ، وكان الامام الباقر ( عليه السلام ) يصحبه في جولاته وكان اذا سار استند الى ابن القداح ، ويستدل ايقانوف على ذلك بما ورد في الحديث الرابع ، حيث يوصف ميمون القداح صراحة بأنه مولى الامام محمد الباقر ( عليه السلام ) وغلام الامام جعفر الصادق ( عليه السلام ) . ويستدل ايقانوف ايضا ببعض الروايات السنية التي تصف عبد الله بن ميمون بانه " مولى الامام جعفر الصادق ( عليه السلام ) " هذا من ناحية ومن ناحية ثانية ينفي ايقانوف تهمة الالحاد عن عبد الله بن ميمون ويستدل على ذلك بان اسمه ورد في كتب الحديث السنية ، مثل ابن النجار المتوفي سنة 643 ، والذهبي المتوفي سنة 748 هـ وابن حجر المتوفي 852 هـ ، وعبد الله الخزرجي الانصاري المتوفي 922 هـ . ولم تنسب اليه في كتب السنة ، اية دعوة بالألحاد او الزندقة ، ويصفه اكابر رواة الحديث السنة بصفات مختلفة من ضعيف ، وسقيم ولكن لم يرمه احد منهم بشبهة الالحاد . ومن ثم يستنتج ان ميمون القداح كان من الموالي وكان مقيما بمكة وله أهمية محلية ، وكان خادماً مخلصاً للامام محمد الباقر ( عليه السلام ) ثم ولده جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، ومن الممكن انه كان تاجرا ، وربما كان ايضاً مشرفاً على املاك الائمة في مكة ، وقد كان فيما يعد رجلا ذا شخصية ، وكان له عدة اولاد منهم عبد الله وأبان ، وربما ابراهيم ، وكان ولده ابان عالما يحفظ القرآن ، وليس من المستحيل ان يكون اخوه عبد الله معلما للكتابة وانه دوّن خلال خدمته للامام ما سمعه منه ، وان مجهوده فيها يبدو ، كان مقتصرا في تدوين الاحاديث التي سمعها من الامام جعفر الصادق ( عليه السلام ) وليس هناك ما يدل على انه كان مشتركاً في أية حركة الحادية . ونحن لا نشك بأن الحركة الاسماعيلية على ما هي عليه في الوقت الحاضر قد انحرفت تاريخيا ، عن خطها الصحيح ، بعد ان وقعت في تناقض موت اسماعيل قبل أبيه الامام الصداق ( عليه السلام ) وبين امامته في ظل امامة الصادق ( عليه السلام ) . كما لا نشك بان الزيدية قد انحرفت هي الأخرى عن خطها الصحيح ، ولا نشك ايضا بأن كثيرا من فئات الموالين قد انحرفوا عن الخط الرسالي الصحيح الذي رسمه لهم الائمة المعصومين ( عليهم الصلاة والسلام ) . بيد ان انحراف أي حركة عن خطها الصحيح ، لا يدل على ان هذه الحركة كانت منحرفة من أساسها ، كما لا نستطيع ان نتخذ من انحراف بعض المسلمين اليوم عن خطهم الصحيح ، دلالة على كونهم منحرفين منذ البداية .. او ان الرسالة منحرفة من اساسها . كمــا لا نستطيع ان نستدل من انحــراف النصارى واليهود عن الحنفية الاولى دليلاً على انحراف الرسالة . اذن .. ان تكليف ميمون القداح من قبل الامام الصادق (عليه السلام) بالاشراف على ابن اسماعيل يدلّ على ان الحركة الاسماعيلية كانت حركة ذات اهداف سياسية سليمة منذ البدء .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|