فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
العسكر يسيطرون على السلطة

شهد عصر الامام الجواد تحولاً خطيراً تمثّل في تحول الخلافة الى سلطة اسمية على الامة ، وتحول السلطة الحقيقية الى ايدي العسكر ، وبذلك نستطيع ان نسمي المرحلة بمرحلة التحول العسكري للدولة الاسلامية .
ترى لماذا حصل هذا التحول ؟ وما هي آثاره ؟ ومن الذي جاء بالعسكر ؟
ان القيمة الوحيدة التي كانت الامة الاسلامية تعتمد عليها ، وتتمحور حولها وتتوحد بها ، كانت قيمة الايمان بالله ، والاعتقاد بالدولة باعتبارها ضرورة حضارية . فالبرغم من كل ما حدث في الامة من انشقاقات داخلية ، وظلم ودكتاتورية ، فأن بقية من الايمان بأن هذه الدولة يجب ان تبقى ظلت موجودة ، وهذه القناعة كانت سائدة لدى كافة الاطراف . صحيح ان ارادة الامة كانت ضد السلطة الفاسدة ، ولكن الحاجة الى نظام يحكم بالاسلام ، والرغبة في الدفاع عن بيضة الاسلام ، وعن عزة المسلمين ، كانتا متداخلتين وكان الآلاف من الناس يذهبون للدفاع عن الثغور وفتح البلدان انطلاقاً من عقيدة الجهاد المقدسة بغض النظر عن السلطة الفاسدة .
بيد ان تلك القضية اخذت بالزوال بسبب العلاقة الديكتاتورية بين النظام وبين الجماهير ، حيث شعـر الناس بان لا شأن لهم بهذه الدولة ، وهــذا الشعور دفعهم
الى الابتعاد عنها .
وحينئذ اصبحت الدولة بحاجة الى قوة تفرض سيادتها وهيبتها على الناس وتحافظ على كيانها امام الدول المعادية كالروم ، فاعتمدت على القوة العسكرية وبالذات على الاتراك .
والسؤال : لماذا فقد الجيش العربي قدرته وثقة النظام به ؟.
الجواب : الذين كانوا يشكلون القوة الرادعة للدولة ، دبت في انفسهم افكار سلبية تجاه الدولة ، وذلك للاسباب التالية :
اولاً : حالة المجون التي تردى اليها الخلفاء والمقربون اليهم حيث لا تجد خليفة عباسياً لا يدمن على الشرب واللهو واللعب ، فالمجون افقد السلطة هيبتها.
بالاضافة الى الاسراف والترف ، مثلا زواج المأمون ببنت الحسن بن سهل كلف ( 500 مليون درهما ) كما اعطى ابن سهل عند انصرافه من " فم الصلح " عشرة آلاف درهم ، ومنحه مقاطعة فم الصلح واطلق له خراج فارس وكور الاهوار مدة سنة .
وامــا قيدحــة زوجــة المعتصــم ، وام المعتــز لما قتـــل ابنهــا كان عندهــا ( 000/ 800/ 1) عدا الجواهر والحلي والزمرد واللؤلؤ والياقوت الذي لا تعرف له قيمــة .
السلطة كانت تربي المجتمع على مقاييس جاهلية ، فالذي كان يلهو ويلعب اكثر مع الخليفة هو الذي يكون الاقرب اليه ، والذي كان ينسلخ عن دينه ويبيع كرامته وشرفه في سبيل الخليفة كانت ورقته اغلى عند الخليفة .
السلطة كانت تدور حول المقاييس الجاهلية في المجتمع ، وكما قلنا سابقاً كان من المسؤوليات العامة التي اضطلع بها الائمة الاطهار (عليهم السلام) محافظتهم على الروح الاسلامية في ضمير الامة ، وذلك عبر تربية عناصر رسالية سامية .
ثانياً : تفشي الشعور باللامبالاة عند القادة العسكريين العرب في مواجهة الاخطار التي كانت تحدق بالسلطة العباسية سواءا الداخلية منها او الخارجية مما دفع الخليفة الى المرتزقة ، وذلك عن طريق شراء الموالي وتدريبهم على الخدمة المطلقة للسلطة .
وهذه الطريقة مكنت الدولة العباسية من الاعتماد على مجموعة ضخمة من العسكريين الاشداء من الاتراك الذين كان يؤتى بهم اسرى ، والتركي كان ضخم الجسم قوي البنية ، قاسي الطباع ، لا يهمه ان يضرب ويحارب ويقتل ، ذلك لان الفتح الاسلامي كان قريب العهد بالنسبة اليه ، حيث كانوا من قبل يعيشون تحت سلطة الرومان المظلمة ، ثم هو رجل اسير ، ليست لديه علاقات اجتماعية وليست لديه عائلة يخاف عليها ومادام هكذا فهو يدفع بنفسه الى المعركة ويقتل، والأهم انه ليست لديه مبادئ سياسية يدافع عنها ، والعقيدة الاسلامية جديدة عليه لم تضرب جذورها في اعماق نفسه لتظهر على عمله ، فكان يعيش بلا مبادئ ، سوى مبدأ التقرب الى السلطة وكسب رضاها .
وهكذا كان الاتراك في بداية امرهم في عهد المعتصم العباسي الذي احضرهم ودربهم واعطاهم السلاح ، كانوا مجموعة صغيرة قدرها اربعة الآف رجل ، وشيئاً فشيئاً تحولوا الى جيش ضخم له لغته التي لم يكن يعرفها غيرهم ، وجعل منهم قواداً على الجيش مثل الافشين ، وبغا واسناس ، وايتاج . الا ان اهل بغداد ثاروا على الجيش وازداد يوما بعد آخر عدد الاغتيالات في صفوف الجيش التركي مما دفع بالمعتصم الى بناء سامراء والانتقال اليها ، لتلافي وقوع الخطر الذي كان يهدد بانفجار ثورة شعبية . " وكانت الاتراك تؤذي العوام بدينة السلام بجريها الخيول في الاسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك ، فكان أهل بغداد ربمــا ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة او شيخ كبير او صبي او ضرير ، فعزم المعتصم على النقلة منهم " (1) .
ومــع ان المؤرخين لا يذكرون الثورة بشكل مفصل وانما يذكرون انه بين الفتنة
والاخرى كانت الحكومة تعثر على مجموعة من الجنود مقتولين وهكذا اضطر الخليفة الى بناء مدينة سامراء للجيش خشية غضب الجماهير ، بعدها اصبحت مدينة معروفة في التاريخ .
هذا هو السبب في اعتماد الخليفة على المرتزقة ، ولكن ماذا كانت آثار ذلك ؟
لما جاء المعتصم بالاتراك وجنّدهم في جيشه ، كانت كل ثورة او انتفاضة تعلن ضد النظام العباسي تقابل بفرقة من ذ لك الجيش ، حتى اصبح يعتمد عليهما اعتماداً كاملاً ، وحينما عرفوا ان الخليفة لا يستطيع ان يصنع شيئاً من دونهم ، أخـذوا يملون ارادتهم على الدولة العباسية وبدأوا يفرضون شروطهم على الحكومة ، وشيئاً فشيئاً اخذوا الحكم بيدهم .
وابتداءاً من حكم المعتصم العباسي ، وحتى حكم المتوكل ، كانت سيطرة الاتراك تزداد شيئاً فشيئاً ، فبعد ان مات المعتصم ، وجاء ابنه الواثق ، ومن بعد الواثق المتوكل ، كانت قوة السلطة تضعف امام نفوذ الاتراك ، وسيطرتهم على مقاليد الحكم الى درجة انهم جاؤوا بالمنتصر بالله ، ثم خلعوه ونصبوا المستعين.
وهكذا صاروا يلعبون بالدولة تحت اسم خلفاء البيت العباسي ، وتحت سيادة وسلطة اسمية ، الى ان وصل الامر الى درجة ان احد الخلفاء العباسيين طلب من صاحب ديوانه مبلغ 200 درهم لشؤونه الخاصة ، فلم يعطه وقال حتى يأذن القائد ، وبهذا تحول الخلفاء الى مجرد ادوات بالرغم من ان الدولة الاسلامية كانت تحكم باسم الخليفة ، واصبحت ادارة شؤون البلاد وزمام الحكم بيد قادة الجيش وجنوده وبذلك بدأ عهد السلاطين الى جانب الخليفة مثل سلطة البويهيين .
فالمعتصم العباسي حين جاء بالاتراك كان آخذاً زمام الأمور بيده ، ولكن الواثق العباسي لم يكن بيده أي شيء ، لذلك سأل الواثق احد ندماءه ان يقضي عليه .
ولعل ما حدث في عهد هارون الرشيد من توسع سلطة البرامكة وتدخلهم في شؤون الحكم الصغيرة منها والكبيرة ، كان يشبه هذا الشيء ، ولكن الرشيد فطن للأمر قبل استفحاله ، فقضى على البرامكة بشكل قاسي وهو ما يسمى بنكبة البرامكة .
لقد كان البرامكة وزراء هارون الرشيد وهم الذين تعبوا في سبيل حكمه ، ولكن شيئاً فشيئاً شعر هارون الرشيد بأنه لا يملك شيئاً ، فالبرامكة هم الذين أخذوا الحكم وعندها حاك مؤامرة ضدهم واطاح بهم فقتل جعفر وسجن يحيى البرمكي الذي كان يناديه الرشيد يا ابتاه ، لان هارون الرشيد تربى على يد يحيى ، وكان جعفر اخا لهارون الرشيد من الرضاعة ، فأمر هارون الرشيد ياسر خادمه وجلاده، وقال له : اذهب وابحث عن جعفر البرمكي واقتله واحضر رأسه ، فذهب ياسر وطلب جعفرا وقال له : اجب امير المؤمنين يريدك واخذه الى مكان منعزل واراد ان يقتله ، فقال : لماذا ؟
قال : امير المؤمنين امرني بذلك ، قال اذهب بي الى امير المؤمنين ، قال لا ، قال : دعني انظر اليه من بعيد ، قال : لا ، ترى لماذا هذا الاصرار ؟
ذلك لان جعفراً كان يعلم ان هارون الرشيد لو رآه ولو من بعيد فانه لا يقتله لانه كان يحبه كثيراً ، فاتى ياسر بجعفر الى حيث اعدمه ، فلما احضر رأسه الى هارون ، قال لخدمه : اضربوا عنق ياسر فاني لا اقدر ان انظر الى قاتل جعفر (1).
ووصل الامر من السوء بالبرامكة ان ام جعفر البرمكي كانت تتمنى لو عندها جلد شاتين تفترش احداهما وتتلحف بالاخرى .
قال المسعودي ان محمد بن عبد الرحمن الهاشمي قال : دخلت على والدتي يوم نحر ، فوجدتها وعندها امرأة برزة متكلمة في اثواب رثة فقالت لي : اتعرف هذه ؟ قلت : لا ، قالت : هذه عبادة ام جعفر بن يحيى ( البرمكي ) فأقبلت عليها بوجهي احدثها واعظمها ثم قلت لها : يا اماه ما أعجب ما رأيت ؟ قالت : يابني لقد اتى عليّ عيد مثل هذا وانا على رأسي اربعمائة وصيفة ، واني لاعد ابني عاقاً لي ولقد اتى علي هذا العيد وما اتمنى سوى جلد شاتين افترش احدهما وألتحف الآخر (2) .








فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب