فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ثانيا: البناء الحضاري
يعالج اية اللة المدرسي وضع الامة الذي يسمي في مصطلحات العصر بالتخلف بصورة حيوية وواقعية ، تختلف كثيرا عن طرق العلاج المتواجدة عند كثير من المفكرين المعاصرين ، ذلك لان الحلول التي يطرحها هولاء غالبا ما تميل الي النظرات المثالية والافتراضات حتي وصلت الي ما يسمي بالترف الفكري فيما يخص الحضارة . ولهذا اقترب اية اللة المدرسي في برنامجة الحضاري نحو اية خطوة عملية تتسق مع منهج متكامل لحل هذه الازمة الشاملة .

وقبل ان نضع طرق الحل ، لا بد من تشخيص الازمة الحقيقية التي ولدت بدورها ازمات متعددة شكلت بمجموعها حالة تسمي في علم الحضارة باسم “التخلف “. وهذا التخلف قد يكون متجسدا في جانب واحد من جوانب الحياة سواء الاجتماعية او السياسية او الفكرية او الاقتصادية ، فيكون تخلفا جزئيا يطال مجالا واحدا من مجالات المجتمع المتعددة . لكن هذا التخلف قد ينشب بمغالبة الحادة علي عموم حياة المجتمع ، وحينها نطلق عليه مفردة التخلف معممة .

ان معرفة الازمة الحقيقية التي تقف وراء التخلف الشامل الذي تعيشة الامة ، يفيد بدورة في تحديد اولويات برنامج البناء الحضاري المقبل ، ذلك لان التقييم السطحي لمشكلة الحضارة يرخي بثقلة ايضا علي برنامج الحل بالبداهة في الوقت الذي يكون لتشخيص جوهر مرض التخلف ورقة رابحة في الاسراع لبناء حضاري مستقبلي راشد.

وعلي اساس هذه المقدمة نشرع في تعريف تصنيفي لبعض المظاهر الحقيقية لحالة التخلف التي تعيشها الامة الاسلامية . فهناك ازمة سياسية حادة تتمثل بوضوح في انعدام الكفاءة لدي الجهاز السياسي . وهذا يعني بصورة اخري دوران المجتمع في حلقة مفرغة كون القيادةالسياسية التي من المفروض تحليها بعوامل القوة والقدرة والتحضر تفتقد الي ذلك فينعكس تطور المجتمع بقدرة ايضا.

وبالاضافة الي هذه الازمة هناك ازمة فكرية ليست نابعة من افتقار الفكر الاسلامي الي مستلزمات البناء الحضاري ، بقدر ما هي نابعة من ضعف الاستنباط الحضاري الشامل من نصوص الشريعة واحكامها بما يتطلب ووضع الامة الناهض . هذا الضعف الذي يرسخ في عقول البعض قناعة خاصة تدفعة الي ضرورة الذهاب الي اتجاهات الاستشراق او التغريب الكامل او التوفيق بين تراث الاسلام الاصيل وبين موضوعات من الفكر الحديث .

وتضاف الي هاتين الازمتين ازمة ثالثة تتمثل في ضعف البنية الاجتماعية وتفتتها، بحيث تمنع من تكوين لحمة اجتماعية موحدة قوية بامكانها النهوض بالامة الي الامام . وكما يبدو ولعلة من هذا السبب تاخذ سائر الازمات مبرر وجودها في حياة المجتمع ، فعلي سبيل المثال لايمكن لفساد الجهاز السياسي ان ينمو داخل المجتمع ويكبر الي ان يتسلم زمام الامر دون مشاركة خفية من ذات المجتمع ، لاسيما اذا امنا بان الجهاز السياسي ليس الا تجلي واضح وتعبير صريح عن طبيعة الحالة الاجتماعية ، حيث توكد ذلك روايات كثيرة يذكرها السيدالمدرسي دائما.

ومن ثم تبدو الازمة الاخيرة التي تعيشها الامة ، وهي الازمة الاقتصادية ، ومعالمها واضحة حيث هبوط ترمومتر التقدم الاقتصادي والمعيشي وانخفاض معدل التقدم التكنلوجي ، واخيرا تبعية قهرية لكل ما تنتجة المصانع العالمية في الوقت الذي تنعدم فية انتاجات وطنية وشعبية . وهذه الازمة ترجع الي انعدام اطروحة اقتصادية نابعة من ذات المعطيات الموضوعية والجغرافية لكل بلد، حيث من المفروض ان تاخذ هذه الاطروحة بعين الاعتبار الاستفادة من الثروات الوطنية التي تختبي ء بين تراب الوطن او تلك الموملة من ابداعات الشعب .

ان هذه الازمات الاربع التي تخيم علي ربوع وطننا الاسلامي ، لا ترجع اسبابها الي تقصير معين في مجال السياسة او الاجتماع او الفكر او الاقتصاد، كما يوكد السيد المدرسي . بل ان هناك سببا اكبر من ذلك يلقي بضلالة علي هذه الجوانب ، وهذا السبب الاكبر هو فقدانالروح الاسلامية وبالتالي الحضارية . اذ ان فقدان الروح الحيوية التي تجعل من اصحابها دينمو ذا تحريك دائم ، تحمل علي عاتقها مهمة البناء الحضاري . فقدان هذه الروح هو السبب الاساسي في تكريس التخلف الشامل في الامة . وعلي ذلك تكون الازمات الاربع افرازا من افرازات فقدان الشخصية الاسلامية الحضارية ، وهذا ما يدعونا الي التوجة الجاد نحو بناء شخصية حضارية تقوم بدور بناء الحضارة الاسلامية الراشدة . ومن اجل ذلك داب السيد المدرسي طوال ثلاثة عقود علي بناء هذا الانسان ، فهو يولية اهمية خاصة عبر سائر البرامج .

ومن يراجع انتاجاتة الثقافية يلاحظ ذلك بوضوح ، وفي الصفحات القادمة سوف نتحدث عن معالم هذه الشخصية .


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب