فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
التعقـل
ما هو العقل ؟

ارأيت الذي اذا سألته عن الماء حملك الى نهر واشار الى الماء الذي يجري فيه فعرفته عينا ؟ كذلك ايات الذكر التي تحمل من يشاء الى آفاق الحقائق ، وتجعله يلمسها بآياتها وعلاماتها واسماءها وصفاتها . بعكس الفلاسفة الذين يطلقون كلمات ذات مفاهيم جامدة قد تشبع غرورنا ولكنها لا تروي عطش الانسان نحو ملامسة الحقائق وادراكها عينا ، ثم يشعر ببرد اليقين في قلبه .
والعقل حقيقة واضحة ، لاننا لا نعرف شيئا الا به ، والسبيل الوحيد لوعيه انما هو التذكر به ، وبأنه هو ذلك النور الذي نهتدي به الى الحقائق ، كذلك بالتنبيه الى آياته ، وعلامات الذين يعقلون وصفات الذين لا يعقلون .
وجاء عن اهل البيت ( عليهم السلام ) في تعريف العقل ما ينقله محمد بن عبد الجبار ، عن بعض اصحابنا رفعه الـى ابي عبد اللـه ( عليه السلام ) قال : قلت له : ما العقل ؟ قال : ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان قال : قلت : فالذي كان في معاوية ؟ فقال : تلك النكراء ! تلك الشيطنة ، وهي شبيهة بالعقل ، وليست بالعقل . (1)
وانمـا ينتفع بهذه الوسيلـة لمعرفة العقل الذين يريدون معرفته ، ولا يجادلون في الحــق بعد ان
يعرفــوه .
1 / العاقل هو الذي يستمع القول استماعا واعيا حتى يحيط بالكلام الذي ألقي اليه ، ثم يفرز بين الغث والسمين منه وبين الحسن والاحسن ، ثم يختار الاحسن وليس بالاقتناع به والاعتقاد بمحتواه فقط ، وانما بالتصديق به قلبا واتباعه عملا ، قال اللـه تعالى : { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللـه لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللـه وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ } (الزمر/17-18) .
ونستوحي من السياق : ان اجتناب الطاغوت والخروج من دائرة نفوذه وسيطرته - وبالتالي - تحدي تغريره وترغيبه وترهيبه ، كل ذلك شرط مسبق للاستماع الصحيح واتباع الحق بعد اختياره .
وما جاء في هذا الصدد عن اهل البيت ( عليهم السلام ) يوضح ذلك فقد روي عن اسحاق بن عمار قال : قال ابو عبد اللـه ( عليه السلام ) : من كان عاقلا كان له دين ، ومن كان له دين دخل الجنة . (1)
وكذلك جاء عن ابي عبد الله ( عليه السلام ) : " اكمل الناس عقلاً أحسنهم خلقاً " . (2)
2 / وأبرز صفات الذين لا يعقلون ، انهم لا يتحملون مسؤولية الاستماع والاختيار فتراهم يستمعون الى الرسول عسى ان يهديهم دون ان يثيروا عقولهم حتى يفقهوا . فهم الصم الذين لا يسمعون ( سماعاً يثير عقولهم ليختاروا الحق ) ، قال اللـه تعالى : { وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَاَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ } (يونس/42) .
3 / وحين لا يعقل المرء فان أذنه لا تسمع ( وما عسى ان ينفع السمع الذي لا ينتهي الى المعرفة ) كما ان بصره لا يرى ( وهكذا فان السماع الصحيح والابصار السليم ، من علامات العقل ) قال اللـه تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور } (الحج/46) .
4 / العاقل يستمع ويتبع ، بينما الجاهل لا يستمع واذا نودي الى الحق لا يتبعه بل يتخذه هزوا
ولعبا ، قال اللـه تعالى : { وإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِاَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ } (المائدة/58) .
5 / والعاقل يختار ، بينما الجاهل يتبع بلا انتخاب أو اختيار ، بل يردد ما يقال له كالببغاء بلا فهم لمحتواه ، قال اللـه تعالى : { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُميٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } (البقرة/171) .
وهكذا ترى الجاهل لا ينتفع بأية حاسة من حواسه لانه قد أغلق قلبه دونها .
وايضا عن صفات غير العاقل ما جاء عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) انه قال : ان قلوب الجهال تستفزها الاطماع وترتهنها المنى ، وتستعلقها الخدائع . (1)
6 / والذي يخالـف مصلحته الواضحة ( كأن يذيع سرا يضره ) ينعت بالجهل وعدم العقل ، اترى كيف نعت المنافقون بعضهم بعضا بذلك ؟ قال اللـه تعالى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللـه عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ } (البقرة/76) .
7 / وهكذا ترى السياق القرآني ينعـت أهل الكتاب بعدم العقل حين زعموا ان ابراهيم ( عليه السلام ) كان يهوديا او نصرانيا ، مع ان هذا التقسيم جاء بعد زمان ابراهيم فكيف نسب اليه ، انه كان دليلا بسيطا على عدم عقلهم ( حيث قالوا مالا يرضيه العقول جميعـا ) ، قال اللـه تعالى : { يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَآ اُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } (آل عمران/65) ، وقال اللـه تعالى : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (آل عمران/67) .
8 / ومن الصفـات التي دلت على خفة العقل ، مخالفة الاداب العامة وعدم احترام الرسول (صلى اللـه عليه وآله ) ( وقيم الدين التي جاء بها ) مثل نداء الرسول من وراء الحجرات ، قال اللـه تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } (الحجرات/4) .
ومـن دلائل ضعف العقل وخفته ، ما جاء عن أمير المؤمنيـن ( عليه السلام ) انه قال : إعجاب
المرء بنفسه دليل على ضعف عقله . (1)
9 / ومن علامات المجتمع الجاهلي تشتت القلوب ( وعدم اجتماعها حول محور التقوى ، بينما علامة المجتمع المؤمن هم أولوا الالباب ، حيث يجتمعون حول الحق فتتآلف قلوبهم ) قال اللـه تعالى : { لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بَأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ } (الحشر/14) .
فمن العقل اذا الاجتماع حول هدف مقدس واحد .
10 / اذا آمن القلب بالحق فإنه يدعو الى العمل به ، أما إذا كان ايمانه ظاهريا فانك تراه يأمر الناس به وينسى نفسه ( لانه لم يعقل الحقيقة بقلبه بل تظاهر بالايمان بها ) ، قال اللـه تعالى : { أَتَأْمُرُونَ الْنَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } (البقرة/44) .
11 / والذين يفترون على اللـه الكذب ( وينسبون اليه ما يخالف العقل ، كتحريم جملة من الانعام بلا سبب ) انهم لا يعقلون في الأغلب ، قال اللـه تعالى : { مَا جَعَلَ اللـه مِن بَحِيرَةٍ وَلا سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللـه الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَيَعْقِلُونَ } (المائدة/103) .
12 / وأعظم الجهل الشرك باللـه ، وعبادة من لا ينفع الانسان شيئا ، ( كالاصنام الحجرية والبشرية ) قال اللـه تعالى : { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللـه مَالاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * اُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللـه أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } (الانبياءِ/66-67) .
تلك بعض علامات الجهل عند الناس ، وبالمقابل فإن أضدادها علائم العقل ، وبالتفكر في الايات التالية نهتدي الى المزيد من ايات العقل ، ولو اتخذناها سبيلا الى العقل ( ذلك النور الذي من دونه لا تكون كل تلك الايات ) فاننا نلامس حقيقة العقل ونتفاعل معها .
فالعقل اصل الدين ، فقد جاء عن رسول اللـه ( صلى اللـه عليه وآله ) : انه اذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصيام فلا تباهوا به حتى تنظروا كيف عقله . (2)
وهذه بعض أبعاد العلاقة بين العقل والايمان وفيما يلي التفصيل :

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب