فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
3 - في بيت عبد الله بن جعفر
أبناء العائلة الكبيرة يتحدثون بينهم عن عمهم الذي ذهب في رحلة جهادية ولم يعد كان الملك المنتخب من قبل الروم على الشامات رجلا أرعن لقد هدد النبي صلى الله عليه وآله بعد ان بلغته رسالته واعلن عليه الحرب فبعث اليهم النبي جيشا من ثلاثة الاف وأمر عليه زيدبن حارثة وضم اليه ابن عمه جعفر بن ابي طالب وقال : ان اصيب زيد فجعفر اميركم - وكان ابن عمه جعفر بن ابي طالب قد عاد بنجاح من الحبشة بعد ان قاد رحلة المهاجرين الاولين اليها ، وعندما التقى الجمعان حيث المسلمون في ثلاثة الاف بينما جيش الكفر يفوق عدده المأة الف ، دارت المعركة على المسلمين واستبسل جعفر الذي عقر فرسه وحاربهم راجلا فقطعت يده اليمنى التي كان يمسك بها الراية فأخذها باليسرى فلما قطعت احتضن الراية ببقايا يديه وحاربهم واستبسل في الدفاع عن دينه حتى استشهد فوجدوا في جسده بضعا وثمانين جرحا بين رمية وضربة وطعنة . (2)

لقد اعطاه النبي وسام الطيار حيث قال انه قد عوض عــن يديه بجناحين ليطير بهما في الجنة .

زوجة جعفر كانت من النساء الفاضلات ، وهي من الاخوات المؤمنات اللاتي سماهن رسول الله كذلك فاختها ميمونة هي ام المؤمنين ، واختها سلمى زوجة حمزة سيد الشهداء ، وكذلك لبابة زوجة العباس بن عبد المطلب وقد انجبت له اربعة وولدت عبد الله في المهجر في ارض حبشةوبعده تزوجها ابو بكر فانجبت له محمدا الذي كان يقول فيه الامام علي عليه السلام : هذا ابني من صلب ابي بكر .

وبعد ابي بكر تزوجها الامام علي حيث انجبت له يحيى ومحمد الاصغر ، وقيل يحيى وعونا . وها هم اولاد جعفر في كنف عمهم الامام علي عليه السلام ، ذلك الظل الوارف الكريم ..

لقد جاء النبي الى عائلة جعفر بعد شهادته وقال لهم هذه الكلمة عندما زارهم بعد الشهادة ؛ انا وليهم في الدنيا والاخرة .

وهكذا قام الامام امير المؤمنين بهذه الكفالة من بعده ، اوليس هو الوصي والوارث والولي من بعده ؟ .

من بين أولاد جعفر كان عبد الله مباركا حيث قال له النبي - عند شهادة والده - واما عبد الله فيشبه خلقي وخلقي ، وقال : اللهم اخلف جعفرا في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه قالها ثلاثا (3)حيث دعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : بارك الله في صفقة يمينه ، و كان عبد الله ثريا لنجاحه في الصفقات ، وكريما الى ابعد الحدود وقد ضربت به الامثال في الكرم ، ومشت الركبان بقصص كرمه حتى لم يجد اعدادءه من بني امية طريقا للطعن فيه الا نسبوهالى الاسراف لكثرة كرمه وعظيم جوده .

فقال فيه الشاعر :

ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سالكهوقال الاخر :

وما كنت الا كالأغر ابن جعفر رأى المال لا يبقى فأبقى له ذكراهذا عبد الله وهذه صفاته وها هي زينب كبرى بنت عمه ( الامام علي عليه السلام ) قد بلغت مبلغ النساء فتقدم اليها عبد الله ، ولم يتردد الامام علي عليه السلام من الاستجابة ، وبالذات لانه روي عن النبي ، صلى الله عليه وآله انه نظر مرة الى اولاد بني هاشم فقال: بناتنا لابناءنا وابناؤنا لبناتنا ، وها هم اليوم يحققون امنية الرسول . فاذا بالامام يزوج ابنته لابن عمه ، ولم يذكر التاريخ شيئا من تفاصيل الزواج ولم يتجاوز ما كان في زواج فاطمة الزهراء سلام الله عليها لانه كان المثل الاعلى لزيجات ابناءها الكرام عليهم السلام جميعا .

ولم يذكر التاريخ ان الامام عليا عليه السلام اشترط على عبد الله شروطا معينة ، ولكننا نستطيع ان نتنبأ بتلك الشروط من خلال الدور المرسوم سلفا لسيدة كربلاء زينب سلام الله عليها .

وهكذا لم يتردد عبد الله بن جعفر لحظة عندما عقدت زينب العزم على مرافقة اخيها في قيامه ضد الطاغية يزيد .

وبالرغم من ان عبد الله بن جعفر لم يشترك شخصيا في معركة كربلاء لاسباب غير معروفة لدينا ، ولكنه بعث بأبنيه الرشيدين الذين استشهدا مع خالهما وسيدهما الامام الحسين عليه السلام ، وكان فخورا بشهادتهما في ركاب السبط الشهيد .

ولم يبين التاريخ شيئا كثيرا عن حياة الصديقة زينب سلام الله عليها قبل حادثة عاشوراء ، الا انها انجبت اربعة من البنين : عليا ومحمدا وعونا الاكبر وعباسا وفتاتين ، وان النساء كن يختلفن عليها لتلقي عليهن التعاليم الدينية ، وانها هاجرت مع ابيها وزوجها الىالكوفة وان زوجها عبد الله شارك في الدفاع عن الامام امير المؤمنين في حروبه ضد البغاة وانه كان من امراء جيش الاسلام في تلك الحروب .

ولا ريب ان البيت الهاشمي بكل عناصره كانوا يخوضــون - منذ التحاق النبي بالرفيق الاعلى - غمار صراع متعدد الابعاد من اجل اعادة السلطة الى الدين ، ومقاومة خط النفاق الاموي الذي تسلل الى مراكز القيادة في الامة .

لقد انشغل كثير من المسلمين بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين افواجا ، انشغلوا بمكاسب الفتح وتغافلوا عن مسؤولية الدفاع عن القيم الالهي ، وتجاهلوا تسلل العناصر المنافقة والانتهازية الى مراكز القوة في البلاد ، هكذا بدأت عناصر الردة الجاهلية تتحزب ، واخذت فلول معسكر ابي سفيان الذي انهزم في بدر تتجمع وتستفيد من سماحة الاسلام . ، وغفلة الرساليين ومن امكانات الفتوحات الاسلامية ، ومن تحالفاتهم الجاهلية مستفيدين من كل ذلك لاستعادة نفوذهم وسلطانهم المفقود .

ولا ريب ان النبي صلى الله عليه وآله اهتم بسيطرة الاســلام كقــوة سياسية اولى في الجزيرة ، وتسامح مع اعدائه لكي يجذبهم ولو ظاهريا الى الاعتراف بالدين بالرغم من علمه بأنهم لم يؤمنوا بحقائق قلوبهم . وقد جاءت أكثر من اية كريمة تنذر المسلمين بوجود عناصرمنافقة في صفوفهم كقوله سبحانه :

" وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم " . ( التوبة / 101 ) .

" وقالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم وان تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من اعمالكم شيئا ان الله غفور رحيم " ( الحجرات / 14) .

وكانت مهمة تصفية العناصر الضعيفة والمنافقة ملقاة على عاتق الامام امير المؤمنين عليه السلام والبيت الهاشمي من بعد الرسول .

وهكذا قاتل الرسول بني امية انطلاقا من تنزيل الكتاب لانهم كانوا يومئذ يجاهرون بالكفر ، وحاربهم الامام علي سلام الله عليه على تأويل الكتاب حينما اظهروا الاسلام واضمروا الكفر ، وهكذا اخبره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) . وقام الامام امير المؤمنين بقيادة الصفوة من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله والتابعين لهم للدفاع عن حرمات الاسلام في مواجهته التحريفية الاموية ، وقد انتصر في ثلاث حروب وكان يخطط لحرب رابعة حين اغتالته الايادي الاثمة في صبيحة اليوم التاسع عشر من شهر رمضان وقبل عشر ايام من موعد الخروج الى المعركة .

وبعد شهادة الامام علي عليه السلام قام نجله الامام الحسن المجتبى عليه السلام بحرب سياسية واعلامية واسعة ضد الخط الاموي ، وقد نجح في تنقية الدين الحنيف عن الثقافات السلطوية التي حاول بنو أمية تمريرها على الناس باسم الدين .

وكانت للامام الحسين عليه السلام مهمة اخرى قام باعبائها بأفضل صورة ؛ كانت المهمة تتلخص في بعث روح الشهادة في ضمير الامة لكي يدافعوا عن قيم الدين امام السلطات التحريفية على مد الاعصار ، ويضحوا بأنفسهم في سبيل اعلاء كلمة الحق .

لقد عرف الناس ان الحق مع الامام علي وأهل بيت الرسالة ، وان معاوية ويزيد ومن جاء بهما وتستر عليهما هم أهل الباطل ، ولكنهم ضعفوا واستكانوا عن الدفاع عن الحق . وهكذا خذلوا الامام الحسن عليه السلام وتفرقوا عن سفير الامام الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل تحت شعار شيطاني خبيث " مالنا وللدخول بين السلاطين " . وأخيرا صدقت فيهم مقولة الفرزدق " قلوبهم معك وسيوفهم عليك " وها هي سيوفهم التي سلوها ضد بني أمية في صفين يغمدونها في ركام من التبريرات ثم يسلونها ضد سبط الرسول ، وداعيــة الوصي، وابن القرآن ، ومثال الايمان !

الناس اليوم بحاجة الى انتفاضة الضمير .. الى زلزال عنيف يهز اعمق مشاعرهم ، ويعيدهم الى وجدانهم الديني ، ويقول لهم ان هذ ه الدنيا العريضة التي اصابوها ليست في الاخرة الا متاع ، وهي ليست عند اولياء الله الا عفطة عنز فأنى يؤفكون ؟

وجاء الامام الحسين عليه السلام الى كربلاء حيث قدر له ان يفجر ثورة الضمير التي تبقى سيفا على رؤوس الظالمين لا ينبو ، وراية لحركة المظلومين لا تنكس ، و وخزا لضمير المتقاعسين لا يفل ، ونورا لدرب المجاهدين لا يخبو .

جاء الامام الحسين عليه السلام ليكون فيصل حق بين دين الله الذي يدعو الى الايمان ومخالفة الهوى ، والشهادة لله في كل موقف ، والصدق في كل موطن ، و بين دين السلاطين الذي يدعو الى تبرير الظلم والى التبعية والاستعباد .. بين دين محمد رسول الله وبين دين ابوسفيان .. بين دين الامام علي ودين معاوية .. بين دين حجر بن عدي وعمر بن حمق وسعيد بن جبير ، وبين دين سمرة بين جندب وشريح القاضي وعمر بن سعد ..

وجاء الامام الحسين عليه السلام ليقول للمسلم اذا كان دم سبط رسول الله رخيصا في سبيل الله فاي دم يبقى غاليا ، واذا كانت حرم رسول الله تسبى من اجل فضح الباطل فاي حرمة لنساء الرجال العاديين ؟

جاء الامام الحسين عليه السلام ليبعث همة عالية في نفوس الامة ، وزخما ثوريا لاهبا ضد الطغاة .

وهكــذا كان ، وسقطت راية بني أمية ، وارتفعت راية الاسلام ، ويبقى الوصــي ودين الرسول ، وبقيت سننه حتى الان وحتى يوم القيامة .

كان هدف يزيد اشاعة العصبية العنصرية ، ثم العصبية الاموية ، ثم الملك العضوض .

كان هدفه اشاعة ثقافة اللعب بالقرود ، وكان له قرد يدعى انه من شيوخ بني اسرائيل ، وانه مسخ قردا لمعصية ارتكبها ، وكان ولها به الى درجة انه حين مات امر بدفنه وامر الشعراء ووعاظ السلاطين برثائه واقامة العزاء له .

وكان شعار يزيد : " لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل ..

وكان هدف السبط الشهيد ان يكون من ابناء الامة رجالا يدافعون عن الحق امام يزيد وطغيانه ، و يستعدون للشهادة في سبيل الله بل يجعلون هذه الشهادة هدفهم الاول ، وهكذا كان .


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب