فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
7 - خطابات الصديقة زينب (ع)
في فصل آت سنبين باذن الله آثار النهضة الحسينية ، والتي اكتملت بالدعوة الزينبية ، والتي تمثلت في محاور ابرزها خطاباتها اللاهبة . ومن هنا فدراسة كلمات زينب سلام الله عليها تنفعنا في امرين :

اولا : في فهم السبب الذي جعل تلك الكلمات بالغة التأثير في الامة مما ساهمت في تلك الثورات التي لم تزل مستمرة .

ثانيا : فيما يمكن للخطباء والدعاة الحسينيين ان يستفيدوه من منهج الصديقة زينب في التأثير .

وسوف تتركز دراستنا لكلماتها في خطبتين ، خطبة الكوفة وخطبة الشام ، وسوف نستعرضها بصورة متدرجة ليتسنى لنا دراستهما .


7 - زينب تقرع أهل الكوفة

روى حذيم بن شريك الاسدي قال : لما اتى علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بالنسوة من كربلاء وكان مريضا واذا نساء اهل الكوفة يتدبن مشققات الجيوب والرجال معهن يبكون ، فقال زين العابدين بصوة ضئيل وقد نهكته العله .

ان هؤلاء يبكون فمن قتلنا غيرهم ؟

فاومأت زينب بنت علي بن ابي طالب الى الناس بالسكوت . قال حذيم الاسدي : فلم ار والله خفرة انطق منها كأنما تنطق وتفرغ عن لسان امير المؤمنين ، وقد اشارت الى الناس ان انصتوا فارتدت الانفاس ، وسكنت الاجراس ، ثم قالت بعــد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله. (15)

لقد حمدت زينب ربها فأجملت الثناء عليه وصلت على النبي فأحسنت ذكره ، وكانت تلك البداية الرائعة بصوتها الاخاذ قد اثارت انتباه الجميع ، فخشعت الاصوات وارتدت الانفاس .

1 - بعدئذ بدءت بسياط التقريع والتبكيت كأنها الرعد المزمجــر ، وذكرتم بانهم نقضوا غزلهم ، وخالفوا وعدهم ، وهدموا بنيانهم اشارة الى انهم عادوا - بعد مقتل السبط الشهيد - عبيدا لاهل الشام ، بينما كانوا قد ناضلوا طويلا ضدهم ، فقالت سلام الله عليها :


اما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختر (16) والغدر والحدل (17) الا فلا رقأت العبرة (18) ولا هدأت الزخرة ، انما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انــكاثا تتخذون ايمانكم دخلا بينكم .

2 - ثم اخذت تفضح اهل الكوفة وتبين لهم صفاتهم السوئى التي سببت لهم هذه الهزيمة النكراء حتى جعلتهم ايادي اعداءهم يقتلون سيدهم بيدهم ، فقالت سلام الله عليها :

هل فيكم الا الصلف والعجب والشنف (19) والكذب وملق الاماء وغمز الاعداء كمرعى على دمنه (20) او كفضة على ملحودة (21) ، ألا بئس ما قدمت لكم انفسكم ان سخط الله عليكم وفي العذاب انتم خالدون .

3 - ثم بالغت في تقريعهم من اجل ايقاظ ضمائرهم ، فقالت وهي تشير الى بكائهم الفارغ من تحمل المسؤولية ، وقالت :

اتبكون على اخي ، اجل والله فابكوا فانكم والله احق بالبكاء . فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا . ان عليهم ان يبكوا على انفسهم لا على الامام الحسين لانهم قد ذهبوا بعارالفاجعة فقالت :

فقد بليتم بعارها ومنيتم بشنارها (22) ولن ترحضوها (23) ابدا وانى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة .

ثم عادت تبين مدى خسارتهم بقتل سبط النبي ، والذي كان قائدهم في الحرب ، وامامهم في المجتمع (التجمع او الحزب ) ، وكهفهم في السلم ، وبلسمهم عند الجراح ، ومفزعهم عند النوائب ، ومرجعهم عند الاختلاف ، وسندهم عند الاحتجاج ، ومنــار طريقهم عند اختلاف السبل ،فقالت :

وملاذ حربكم ومعاذ حزبكم ومقر سلمكم وآسي (24) كلمتكم ومفزع نازلتكم والمرجع اليه عند مقالتكم وميدرة (25) حججكم ومنار محجتكم .

ثم انذرتهم بعذاب الله قائلة : " الا ساء ما قدمت لكم انفسكم ، وساء ما تزرون ليوم بعثكم . فتعسا تعسا ، ونكسا نكسا لقد خاب السعي وبنت الايدي وخسرت الصفقة ويؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة .

هكذا حملتهم الصديقة كامل المسؤولية عما جرى لكي لا يلقوا بها على القيادات او السلطات او ما اشبه ، وانذرتهم بعاقبة تساهلهم في الدنيا والاخرة . اما في الدنيا فالعار الذي لا يغسل ، واما في الاخرة فالغضب الالهي .

وعادت الصديقة الى بيان عظم الفاجعة وبينت مدى مساسها بصاحب الرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله ، وقالت :

اتدرون - ويلكم - اي قيد لمحمد فريتم ، واي عهد نكثتم ، واي كريم له ابرزتم ، واي حرمة له هتكتم ، واي دم له سفكتم . لقد جئتم شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هذا لقد جئتم بها شوهاء خرقاء طلاع الارض وملء السماء افعجبتهم ان لم تمطر السماء دما ولعذاب الاخرة اخزى وهم لا ينصرون فلا يستخفنكم المهل فانه عز وجل لا يحفزه البدار ولا يخشى عليه فوت الثار . (26)كلا ان ربك لنا ولهم بالمرصاد ثم انشأت تقول :

ماذا تقولون اذ قال النبي لكم ماذا صنعتم وانتم اخر الاممبأهل بيتي واولادي ومكرمتي منهم اسارى ومنهم ضرجوا بدمما كان ذاك جزائي اذ نصحت لكم ان تخلفوني بسوء في ذوي رحمياني لاخشى عليكم ان يحل بكم مثل العذاب الذي اودى على ارمثم ولت عنهم (27)

قال حذيم ( الراوي ) فرأيت الناس حيارى قد ردوا ايديهم في افواههم ، فالتفت الي شيخ الى جانبي يبكي وقد اخضلت لحيته بالبكاء ويده مرفوعة الى السماء ، وهو يقول : بأبي وامي كهولهم خير الكهول ، وشبابهم خير الشباب ، ونسلهم نسل كريم ، وفضلهم فضل عظيم .

هكذا كانت زينب عليها السلام صريحة واضحة مع الجمهور ، فلم تتفوه بنصف كلمة غير الحق استمالة لهم . ولعل السبب في ذلك انهم كانوا يعرفون الحق ولا ينصرونه مثلهم مثل الانصار والمهاجرين الذين خاطبتهم الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها بذات النبرة الصاعقة.

وكذلك بذات اللهجة التي كانت في كلمات الامام امير المؤمنين في خطاباتها الاخيرة لاهل الكوفة .

وهذا اهم درس ينبغي ان يتعلم الدعاة الحسينيون من الصديقة زينب الا يداهنوا الباطل طمعا في دنيا او يسكتوا عن حق خوفا من سلطان .. الصراحة والوضوح والا فلا ..

ثم ان الخطاب كاد يكون جامعا لسائر المؤثرات النفسية من عاطفة جياشة الى توعية روحية الى ولاء صادق للقيادة الشرعية ودعوة صريحة اليها ، والى تحميل المستمع المسؤولية المباشرة ، وهذا درس اخر نستفيده من الصديقة للمنبر الحسيني الا يهمل اي جانب من المنهج الرسالي لحساب جانب آخر .

كان اهل الكوفة يبررون خروجهم الى قتال سبط رسول الله صلى الله عليه وآله بالخوف من من جيش الشام وسلطة بني امية ، والصديقة زينب تركت الحديث عــن السلطة في خطابها تماما ، بالرغم من انها ركزت عليها في مواجهتها المباشرة لابن زياد الطاغية ، او الطاغوت يزيد. فلماذا لم تتحدث عن ذلك في خطابها الجماهيري ؟

لعلها تركت ذلك عمدا لكي لا يبرر المستمع موقفه بألقاء اللوم على السلطة . كلا .. ان مسؤولية الجبار لا تلغي مسؤولية ادوات سلطته والساكتين عنه والراضين بفعله .

وحين يكون الحديث مع الناس يركز الحديث حول مسؤوليتهم ، بينما حين يكون مع الجبار يبين مسؤوليته ، وهذا من اعظم ركائز البلاغة وهو درس عظيم لاصحاب المنبر الحسيني .


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب