فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
النقـد
الفصل الأول : الحكمـة لمـاذا ؟



من حق المرء أن يتساءل عن السر وراء ضرورة الاجتهاد في دراسة العرفان الاسلامي.. ويفرض هذا التساؤل نفسه علينا قبل الخوض في غمار بحث "العرفان الاسلامي"؛ المتعدد الاطراف الواسع الشواطئ. وفي الاجابة نقول:

ان الانسان المسلم كثيرا ما يكون عرضة للأمواج الفكرية غير النزيهة التي تعمل من أجل سلب الهوية الدينية من شخصية الفرد المؤمن، ومالم يحصّن الانسان المؤمن نفسه وسلوكه ضد الجوانب الشيطانية الخاطئة لهذه الامواج الفكرية الزاحفة، فان ذلك يؤدي الى اصابتهفي ثقافته ومعتقداته الدينية إصابات بالغة الخطورة.

ان الناس يولدون على الفطرة ولكن البعض ينحرف عن الجادة المستقيمة، ولا يكون ذلك بفعل الوراثة او التربية دائما، بل ثَمّ سبب آخر لا يقل عن سابقيه تأثيراً على سلوكه وثقافته وآدابه ذلك السبب هو ما يدعوه بعض الفلاسفة بـ" أصنام السوق " اي ما يتــوارد عليه من افكار بسبب تعرضه للموجات الثقافية الغريبة علىطبيعته وتكوينه.

فالمسلمون الذين انجرف بعضهم نحو الفلسفة الغربية او الشرقية لم ينحرفوا بداعي التربية السيئة، او بسبب انعدام الاهتمام العائلي بهم.. فالآباء في مجتمعاتنا المسلمة غالبا ما يكونون ذوي عاطفة خاصة تجاه أبنائهم تجعلهم يقومون بواجب التوجيه والتربية، الا ان الاجيال الجديدة انفتحت بلا حدود وبلا بصيرة عاصمة أمام التيارات الفكرية الزاحفة فأضحت في مهب الرياح العاتية السامّة التي تنفثها الثقافة الغربية او الشرقية اللادينية، مما أثرت عليها وأدت بها في نهاية المطاف الى الفسق والانحراف، والى الالحاد والكفر أحياناً.

ان الطفل ينمو في بلاده المسلمة مؤمنا، وحينما ينخرط في سلك المدارس الحديثة فإن اول ما يعتريه هو الشك بما حمله من ايمان بريء معه الى المدرسة، لان المناهج الدراسية المستوردة لا تهدف الا الى مسخ هوية ابنائنا المؤمنين.. ثم سرعان ما يتحول هذا الشك مع التدرج التعليمي الى طرح الشبهات والمغالطات ومن ثم ينتهي الامر الى الفسق والانحراف.. وقد يكون مصير الشاب السقوط في هاوية الكفر والالحاد.

ونحن بدورنا قد نتعرض لهذه الموجات. فاليوم قد تحوطنا ثقافة اسلامية ولكن هل نستطيع ضمان استمرار هذه الاحاطة الثقافية؟ إن من المحتمل ان تتغير الظروف، وان تنعدم من حولنا مصادر الثقافة الدينية التي نستلهم منها ؛ وأن نعيش مستقبلاً ظروفا فكرية معاكسة، وذلك بالاقامة في بلاد غريبة عنا وعن افكارنا وآدابنا واخلاقنا، وهناك تتصاعد نسبة انسياقنا باتجاه الفساد والثقافة الملحدة ؛ إذا كنا منزوعي السلاح، واذ ذاك كيف سندافع عن انفسنا ؟

البعض يقول أنا مؤمن وسوف أموت مؤمناً، ولكننا نتساءل - بتفاؤل - عن الضمانة في ذلك ؟ وهل يضمن الداخل في مستعمرة المجذومين ان يخرج بنفسه سليما معافى مالم يكن قد حصن بدنه بالمضادات الحيوية اللازمة؟! كذلك الامر تماماً بالنسبة للروح والقلب وغذائهما من الفكر والثقافة والمعرفة.

هذا كله بغض النظر عن ان ما يدعى بمصادر الثقافة الاسلامية لم تعد اليوم مصادر ثقافية دينية خالصة تماماً. فهناك الكثير من الكتب والبحوث التي دوّنها كتاب مسلمون الا انك لا تستطيع أن تضمن بشكل مطلق سلامة كل الافكار الواردة فيها، فهناك أحياناً كثيرة خلطبيـن الافكار الصحيحة والثقافات الدخيلة أو الآراء الشخصية، وللتمييز بين كل ذلك لابـد للمؤمن أن يمتلك المقياس الذي يعينه على تحديد الخطأ عن الصواب، ويقيه عن السقوط في المزالق الفكرية والانحرافات المعرفية.

وبامتلاك ذلك المقياس فإن بإمكان الفرد المسلم ان يخوض ما شاء له ان يخوض في المعارف الاسلامية وغير الاسلامية، مادام يتمتع بما يعصمه عن الانحراف والتيه. إذ الأمر ليس مرهوناً بمسألة فقهية فرعية مثلاً، حيث قد يخطأ الواحد منا في واجب من واجبات صلاته وبامكانه ان يعالجه بقضاء او احتياط، او يخل بواجب الصوم فيقدم الكفارة - مثلاً -. انما الأمر يتعلق بالايمان بمصدر الوجود وخالقه وقد حذَّر الله في مناسبات لا تحصى عن الشرك ووصفه بأنه ظلم عظيم، وان الذنوب جميعاً قابلة للغفران سوى الشرك والكفر به، وان تفاصيلالعقاب عليه لا قدرة للمخلوق الضعيف على تحملها ؛ بل ولا تصورها.

ومن هذا المنطلق بالذات ؛ نؤكــد بأن الاخوة المؤمنين مدعوون بشكل مؤكدالى متابعة بحث العرفان الاسلامي الذي يمثل بطبيعة الحال مفتاحاً جديراً لبحوث اعمق واشمل واكمل.

والضرورة الكامنة وراء هذه المتابعة هي ان الافكار الانتقائية والالتقاطية التي كانت منتشرة في زمن أئمة اهل البيت عليهم السلام وتستفحل في يومنا هذا، لابد لنا من مواجهتها والوقوف موقف المتمكن منها ومن دحضها بألمع الحجج وأقوى الادلة.

ولطالما كان الائمة عليهم السلام يُسألون عن الافكار الإلحادية التي كانت منتشرة على عهدهم، فكانوا عليهم السلام يؤكدون على ضرورة امتلاك المقياس السليم في مواجهة تلك الافكار. والمقياس هو معرفة أين هي معاقل العلم، وأبواب الرحمة، وضياء الامر. يقول الامامجعفر الصادق عليه السلام: "إن رسول الله صلى الله عليه وآله أنال في الناس وأنال وأنال، وإنا أهل البيت معاقل العلم وأبواب الحكم وضياء الامر". ([4])فالرسول صلى الله عليه وآله والائمة من أهل بيته عليهم السلام هم معاقل العلم وأبواب الحكم وضياء الامر، وبالتالي هم المقياس السليم الذي على المؤمن الرجوع اليه. فالانسان المؤمن عليه ان يتمتع ويتزود أولا بالمقاييس السليمة المستنبطة من الحجة الالهية، ثملا ضير عليه ان ينفتح على الثقافات الاخرى لدراستها والرد على الفاسد والملحد منها. ومن دون التزود والتسلح بالمقاييس المشار اليها لايجوز له الانفتاح على الثقافات الاخرى، إذ سيكون واقعه مدعاة لمزيد من الشك والضياع والانحراف.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب