فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
سامري هذه الامة
في رواية عن أبي يحيى الواسطي قال: لما فتح امير المؤمنين عليه السلام البصرة اجتمع الناس عليه وفيهم الحسن البصري ومعه ألواح، فكان كلما لفظ أمير المؤمنين عليه السلام بكلمة كتبها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام - باعلى صوته - : ما تصنع ؟ قال : نكتبآثاركم لنحدث بها بعدكم. فقال له امير المؤمنين عليه السلام: اما وان لكل قوم سامريـاً وهذا سامري هذه الامة، أما إنه لا يقول (لا مساس) ولكنه يقول لا قتال"([12]).

والذي يبدو واضحاً وجلياً من هذا النص وغيره مما سيأتي هو وجه التشابه بين سامري بني اسرائيل والحسن البصري. فسامري بني اسرائيل أخرج لهم عجلا جسدا له خوار وقال هذا إلهكم وإله موسى فأضل به شطراً كبيراً من جماهير بني اسرائيل، ومثله فعل الحسن البصري الذيعمل على سلب المسؤولية عن الدين الاسلامي ودفع البحوث العقائدية ونحا بها منحى يجرد فيه الايمان عن العمل. والبصري هذا الذي آخاه أمير المؤمنين بابليس في رواية نقلها الطبرسي في الاحتجاج (ج 1 / ص 171) أسس مدرسة ضالة في القدر، التي ذمها الرسول صلى الله عليه وآله وحذرالامة منها فيما روى عنه صلى الله عليه وآله جماعة من علماء الاسلام انه قال: "لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً " قيل : ومن القدرية يا رسول الله ؟ فقال : قوم يزعمون أن الله سبحانه قدّر عليهم المعاصي وعذبهم عليها "([13]).

وقال ابن عباس: مرّ (أميرالمؤمنين عليه السلام) بالحسن البصري و هو يتوضأ، فقال: يا حسن أسبغ الوضوء، فقال : يا أميرالمؤمنين لقد قتلت بالأمس اناساً يشهدون أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، يصلون الخمس و يسبغون الوضوء، فقال لهأميرالمؤمنين عليه السلام : فقد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا ؟!

فقال : والله لأصدقنك يا أميرالمؤمنين، لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت عليَّ سلاحي، و أنا لا أشك في أن التخلف عن ام المؤمنين عائشة هو الكفر، فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة ناداني مناد : " يا حسن إلى أين ؟ ارجع فإن القاتل والمقتول فيالنار"، فرجعت ذعراً وجلست في بيتي، فلما كان اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن ام المؤمنين عائشة هو الكفر، فتحنطت وصببت عليَّ سلاحي وخرجت أريد القتال، حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي: " يا حسن إلى أين؟ فإن القاتل والمقتول في النار ". قال علي عليه السلام : صدقك أفتدري من ذلك المنادي؟ قال: لا. قال عليه السلام : ذاك أخوك إبليس و صدقك، إن القاتل والمقتول منهم في النار، فقال الحسن البصري: الآن عرفت يا أميرالمؤمنين أن القوم هلكى". ([14])

الحسن البصري هذا هو الذي اسس مدرسة الاشاعرة وفي ظل مدرسته، نمت مدرسة الاعتزال على يد تلميذه واصل بن عطاء الذي يصف استاذه البصري بأنه يتغير بين عشية وضحاها، وانه لا يستقر على رأي، وأنه كل يوم هو في شأن. ففي يوم يقول بالقدر، أي ان الله سبحانه هو الذيقدّر اعمال العباد وليس للعباد شأن في اعمالهم، وفي يوم آخر يقول إن العمل هو من شأن الانسان وحده. وفي يوم ثالث يقول إن علم الله سبحانه حادث، وفي رابع يقول علم الله قديم، ومرة يقول خلق الله للخلق حادث، وأخرى يقول قديم.

وربما يتصور ان هذا التلون والتغير في آراء الحسن البصري كان سبباً لانعزال تلميذه واصل بن عطاء عن مدرسة استاذه، لكن الحقائق التأريخية التي سادت تلك الفترة تكشف بوضوح عن سبب رئيسي آخر هو أن الازارقة - وهم فرع من فروع الخوارج - كانت لهم السلطة آنذاك علىالبصرة، وكانوا يزعمون بان مرتكب الكبيرة كافر وأنه خالد في النار، بينما كان الحسن البصري يقول انه ليس بكافر. فكان لابد لواصل، وهو كأستاذه يعيش حالة الانهزامية، ولكي يتهرب عن تحمل عناء الوقوف امام الحكام المتطرفين واصحاب النفوذ، ولكي ينسلَّ عن قضايا الثورة التي كان يقودها أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم اجمعين دفاعا عن الرسالة الالهية. كان لابد له أن يخرج برأي توفيقي بين آراء استاذه وآراء السلطة الحاكمة، فأسس مذهبا يقول إن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ولـيس بمسلم وانما هو منزلة بين منزلتين فهو إذن فاسق([15]).

وقد اطلق اسم المعتزلة على المدرسة التي اسسها واصل بن عطاء بعد ان طرده استاذه الحسن البصري من حلقة درسه لمخالفته لاقواله، فاعتزل في زاوية من المسجد واتخذ لنفسه حلقة جديدة والتحق به عمرو بن عبيد، وبذلك سمي بالمعتـزل، وسميت مدرسته بالمعتـزلـة، وقد أنشعبت فيما بعد الى اثنتيـن وعشريـن فرقـة.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب