فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
اقتباس الافكار إن الفكر البشري ينبع من واقعه الذي يعيشه، فهو -إذن- تبع لها يتغيّر بتغيّرها. فالظروف في الحقيقة هي التي تتحكم عادة في فكر الانسان، وبالتالي فهي المبلورة لهذا الفكر، فحيث تتوافر ظروف متشابهة لانسانين مختلفين في مكانين متباعدين مكاناً وزماناً، نتوقعحينها ان تنتج هذه الظروف المتشابهة فكرتين متشابهتين دون أن يكون هناك ادنى لقاء بين هذين الرجلين، لان بينهما قرون متباعدة من الزمان ومسافات شاسعة لا تجتازها القوافل التجارية او الوسائل العلمية. وكذلك لا يبعد أن يكون هناك وقبل آلاف السنين - قبل تسعة آلاف سنة مثلاً - في مصر من كان يفكر بنفس الفكرة التي يفكر بها شخص يعيش في الهند هذا العام ؛ إذا ما افترضنا تشابه ظروفهما، دون أن يكون أحدهما قد اقتبس من الآخر.
فالثورة - مثلاً - تولد بسبب ظروف خاصة وعوامل معينة، فحيث يكون هناك ظلم وكان قباله تحدٍّ للظلم، وحيث ما تكون هناك فكرة تستجمع هذا التحدي، وقيادة تركز هذا التحدي وتوجهه فسوف تكون هناك ثورة.
ومثل هذا الامر مثل الاختراعات، إذ قد يخترع رجل اختراعاً في مدينة ألمانية وآخر يخترع نفس الاختراع في نفس العام، بل ونفس الشهر ايضاً في مدينة امريكية، فهذا لايعني بأي وجه ان احدهما اقتبس اختراعه من الثاني.
ونحن انما نقول هذا لكي نؤكد على أنه ليس مستبعداً ان تكون هناك افكار قد انتجتها عبقرية اليونان القديمة ثم أنتجتها مرة أخرى عبقرية فيلسوف مسلم عاش في القرن السادس الهجري، لكنا لا نقول بأن اي منهما اقتبس أفكاره من الآخر. نعم المؤرخون للفلسفة وللثقافاتعادة يحاولون أن يربطوا بين المفكرين بعضهم مع بعض، فيقولون إن هذا المفكر انما اقتبس أفكاره من ذاك المفكر لمجرد التشابه في الفكرتين اولمجرد ان احدهما سبق الآخر في انتاج هذه الفكرة. ونحن نقول لهم إن انتقال الفكر من جيل الى جيل آخر، ومن بلد إلى بلد آخرأمر ممكن سيما في عصرنا هذا الزاخر بالممهدات والوسائل العلمية المتقدمة لمثل هذا الانتقال ؛ لكن ذلك لا يعني بأي وجه ان كل من فكّر بما فكّر به الآخرون انما يكون قد اقتبس منهم او قلدهم فيه.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|