فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الافلاطونية الجديدة ولأن الاسكندرية بمصر كانت مركزاً مهما لالتقاء الفكر الغربي بالفكر الشرقي ابان حروب الاسكندر، وإنها كانت قبل بزوغ نور الاسلام مركزا مهما من مراكز الفلسفة، ومدرسة من مدارسها، كان طبيعياً ان تظهر في هذه المدرسة افكار جديدة كنتيجة طبيعية للأجواء الفكرية التي سادت هذا المركز الفكري. فقد عاش في الاسكندرية فلاسفة ومفكرون كان منهم " امونيوس سكّاس"([22]) [النصف الاول من القرن الثالث للميلاد] الذي تأثر بتعاليم افلاطون وعمل على تطويرها بحيث تنسجم مع المفاهيم الارسطووية والشرقية([23]) وبذلك أسس ما أطلق عليه بـ"الافلاطونية الجديدة" وكان "فلوطين"([24]) من أبرز تلاميذ "امونيوس" وقد عمل على بلورة مذهب استاذه "الافلاطونية الجديدة" وقد اعتبره البعض مؤسس هذا المذهب وليس استاذه، وقد تأثر "فلوطين" هذا بالرسالة الالهية التي هبطت على المسيح بن مريم عليهما السلام، ولانه كان فيلسوفا معتقدا بأفكار افلاطون، أراد ان يمزج بين أفكار افلاطون من جهة وبين الرسالة الالهية من جهة ثانية، فكانت نتيجة محاولاته تلك ونتيجة هذا المزج بين ما يعتقد به من الافكار الافلاطونية وما تأثر به من الرسالة الالهية ان خرج بما سمي بعدئذ بالاقانيم الثلاثة فقال : إن الله ليس واحداً وإنما هو ثالث ثلاثة، الله أيالاب والابن، والروح القدس الفاصل بين الاب وبين الابن.
لكن الذي يجدر بالذكر ان الاحبار - اعني علماء المسيحية - خالفوا في البدء هذه الفكرة المستحدثة ؛ فكرة خلط المعارف الالهية والتعاليم السماوية بالفلسفة البشرية، معترضين بأن ذلك تحريف وزيادة في الدين. غير ان تغيّر الظروف الاجتماعية والسياسية دفع المسيحين واضطرهم الى مبايعة امبراطور الروم خوفاً من اضطهاد اليهود لهم، وطمعاً في استدراج امبراطور روما لدينهم، فراحوا يخضعون للفلسفة الافلاطونية الجديدة. فكان ذلك سببا لدخول الشرك والافكار الغنوصية والحلولية في الديانة المسيحية، وكانت الاسكندرية على يد (امونيوس) وعلى يد تلميذه (فلوطين) بابا ولجت منه الافلاطونية الجديدة في الديانة المسيحية.
قبول الاحبار والرهبان للافلاطونية الجديدة انما كان بسبب رغبتهم الملحة وحرصهم الشديد على جلب الناس للدين. هذه الرغبة وذلك الحرص استدعى ان يلجأ هؤلاء الرهبان والاحبار الى التخفيف في أحكام الدين وتسهيل تشريعاته، وبالتالي خلط الرسالة الالهية بالفلسفة البشرية وبالشكل الذي يتمشى واهواء الناس. فراحوا يغيرون معالم الديانة الاساسية، وكان ذلك بالنتيجة سبباً في استحداث أنواع جديدة من الديانات الممسوخة البعيدة عن الرسالة الالهية كل البعد.
والدين الاسلامي الحنيف لم يكن أيضاً في مأمن من عبث العابثين ولا في منئا عن أهواء النفس البشرية. فمنذ ان دخل الاسلام الهند مثلا واعتنق الناس الاسلام الحنيف راحت تيارات التغيير واساليب التبديل تلعب دورها في حرف هذه الرسالة السماوية، فظهرت الديانة السيخية التي هي في الواقع تحريف للاسلام، بل وظهرت الديانة القاديانية على يد القادياني، كما استحدثت الديانة البهائية على يد محمد علي بهاء. وليس هذا فحسب، بل وكل المذاهب المنحرفة التي انبثقت من الديانات الالهية المستقيمة انما كانت بسبب اختلاط الافكار البشرية بهدى الله سبحانه وتعالى وبالرسالات السماوية ؛ هذا الاختلاط الذي سبّب انواعاً جديدة مستحدثة من المذاهب والديانات البعيدة عن الرسالات السماوية السمحاء كل البعد.
ولابد أن نشير هنا الى أن عدداً ليس بقليل من علماء المسلمين سلكوا طريق الانحراف هذا وابتلوا بهذا الداء، كل ذلك من أجل ان يجمعوا حولهم انصاراً واعواناً. فراحوا يغيّرون الدين ويحرّفون الكلم عن مواضعه ويخففون من أحكام الدين وواجباته ويهوّنون على المكلفواجباته ويسهلون تشريعاته ترغيباً بالدين وجذباً إليه، ولكنهم بفعلهم هذا لا يبعدون الناس عن الدين فحسب بل ويعملون شاؤوا أم أبوا على تضعيف روح الايمان الصادق لدى النفوس المؤمنة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|