فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
2 / خلط الوثنية بالدين سبق وان ذكرنا ان من السمات التي اتسمت بها الافلاطونية الجديدة هو خلط الافكار الشركية بالتعابير الدينية. فاليونانيون القدماء قالوا بالصادر الاول والصادر الثاني ؛ كذلك قال هؤلاء بان الله ولد الصدر الاول وهو روح القدس، وهذا ولد الصدر الثاني وهو عيسى بن مريم، وهكذا جاءت نظرية الولادة او ما تسمى بنظرية الفيض أو نظرية الصدور.
وهنا يبرز تساؤل مهم وهو أن هناك ثمة توافق زمني بين نشوء الافلاطونية الجديدة بالنسبة الى ولادة المسيح، وبين غزو الافكار الاغريقية لمناهج بعض فلاسفة المسلمين. فالافلاطونية الجديدة التي مزجت الديانة المسيحية بالفلسفة الاغريقية، انبثقت ابان القرن الثانيوالثالث للميلاد بينما نرى انه في القرن الثاني والثالث الهجري كان نشوء هذا الغزو في أوساط المسلمين. فنشأت افكار الصدور والحلول حيث نجد آثار هذا الغزو والتأثر في رسائل اخوان الصفا، التي تشكل أفكار مجموعة من الفرقة الاسماعيلية الباطنية التي عمدت الى عرض الافلاطونية الجديدة بتعبيرات اسلامية فقالت بأن الصادر الاول هو الولي وبحلول روح الله في أئمة الاسماعيلية. فالفاصلة الزمنية بين مبعث الرسالة المحمدية وبين هذه الافكار الدخيلة هي نفسها التي بين بعثة عيسى بن مريم والافلاطونية الجديدة. والتساؤل المهم هو :
لماذا هذا التوافق الزمني؟ إن المهم هنا هو فهم هذه المقارنة قبل الدخول في متاهات الفلسفة ومصطلحاتها المعقدة وافكارها المتشابهة.
اننا بالرجوع الى انفسنا، سنجد اننا انما نؤمن بفطرتنا وان جماهير الناس يؤمنون بفطرتهم؛ والانبياء انما جاؤوا بالاسلوب الفطري، وبعثوا في الناس روح الفطرة واعادوهم الى وجدانهم وفطرتهم "ليستأدوهم ميثاق فطرتهم ويثيروا فيهم دفائن العقول" تلك العقول التي غطاها ركام من الخرافات والاساطير والانحرافات الفكرية التي جاء بها الفلاسفة. فإذا جاز ان نشبه العقول بالكنوز التي تختفي تحت الارض، ويأتي من يعرف باماكن وجودها فيثير الارض ليستخرجها ؛ جاز لنا ايضا ان نقول ان الانبياء جاؤوا ليزيلوا تلك الاساطيروالخرافات التي غطت العقول وغشيت والابصار.
ان الفلاسفة الذين حاولوا صهر الحكمة الالهية والافكار الشركية الوضعية في بودقة واحدة ليستخرجوا منها سبائك معينة وضمن قوالب ضيقة تتمشى ومآربهم هم الذين قاوموا رسالات الانبياء ووقفوا في صف المتسلطين على رقاب الناس؛ فحينما بعث عيسى بن مريم عليه السلاموخاطب الناس بفطرتهم ؛ وقال اني رسول الله اليكم، اخبركم بما تدخرون في بيوتكم، وأحيي الموتى باذن ربي، وان الله يشفي الامراض العضال على يدي، واني ابرئ الاكمه والابرص باذن الله، وان هذه معجزاتي التي جئت بها، وهذه اخلاقي وهذه رسالتي.. صار الناس يؤمنون برسالته شيئا فشيئا حتى القرن الثالث من الميلاد وحينما رأى الفلاسفة ان الناس بايمانهم بالمسيح ابتعدوا عنهم وانعتقوا من تسلطهم. حينها عمل بعض الفلاسفة على خط يستقطب الزخم الجماهيري من جهة ويحافظ على جوهر افكارهم الفلسفية من جهة أخرى، فعمدوا الى خلط الافكارالاغريقية الجاهلية الوثنية بتعاليم المسيح فقالوا بالاقانيم الثلاث؛ وقالوا نحن نؤمن بالمسيح، ولكن المسيح ليس بشرا مثلنا، وانما هو إله. ونؤمن بمريم، ولكن مريم ليست كأي انسانة أخرى، وانما هي روح القدس. فعيسى ابن الله، والواسطة هي روح القدس، وبالتالي افرغوا الديانة المسيحية من روح التوحيد.
ثم يعيد التأريخ نفسه في الامة الاسلامية التي آمنت بالرسالة المحمدية، حيث راح الناس يقرؤون القرآن ويفسرونه وفق الروايات وبما يفهمونه من اللغة العربية بتفاسير بسيطة تلتئم مع بساطتهم وفطرتهم. غير أن من تسلط باسم الدين واغتصب الخلافة الشرعية من أهلها، عمدوا الى تشجيع الافكار الفلسفية التي أبعدت الناس عن رسالة الدين في رفض الخنوع والخضوع لاي سلطة غير سلطة الحق والعدل، فكانت الافكار التي أبعدت الناس عن مواجهة المتسلطين.
الثقافة اذن لابد ان تدرس من جذورها، ولابد من تقصي تلك الجذور ومعرفة منابعها واهدافها ؛ سيما ونحن نجد اليوم - ومع الاسف الشديد - ان تيارات من الثقافة الهيلينية قد تسربت الى كثير من الكتابات، بل وحتى بعض الكتب الدينية عبر هؤلاء الفلاسفة، ولكن علينا أن نعرف أن لاعلاقة بين القرآن الكريم وبين هذه الثقافات. إذ لا علاقة بين القرآن والجاهلية، لان القرآن نور الله ؛ لانه كتاب الله، وهذه الثقافات ليست إلاّ مجموعة من خرافات بني البشر ومن وحي الشيطان.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|