فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
شيخ الاشراق والثقافات الدخيلة
البحث في جذور التفكرات الدخيلة في الاسلام يستوعب مجلدات عدة، لكن التركيز على دراسة شخصية روادها الاوائل كالحسن البصري وواصل بن عطاء اللذين استوفينا جانباً من شخصيتهما فيما سبق، يعطينا تصوراً واضحاً عن الارضية التي قامت عليها الافكار الفلسفية في أوساط المسلمين. وهنا نبحث عن مؤسس فكرة الاشراق بين المسلمين ؛ وبالذات في البلاد الشرقية كايران والعراق وسوريا وتركيا وهو شهاب الدين السهروردي، شيخ الاشراق الذي تأثرت به الفرق الصوفية كما تأثر به الفلاسفة الاشراقيون مثل ملا صدرا الشيرازي. ([28])

لقد طاف السهروردي البلدان، حيث عاش فترة في زنجان ثم ذهب الى اصفهان ودرس فلسفة ابن سينا، ومن هناك ذهب الى آذربايجان ثم الى حلب حيث القى رحله هناك متقربـاً الى حاكمها الملك الظاهر ابن صلاح الدين الايوبي، إلا أنه جوبه بمعارضة من قبل الفقهاء الذين كانوا يحذرون من عودة الحركات الباطنية، فكان نتيجة لتلك المعارضة ان كفّروه للاتهامات التي وجهت اليه من قبيل انه يكفر بختم النبوات بالنبي وبإمكانية ان يبعث الله تعالى نبياً جديداً بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله. ونحن لا نستبعد ذلك من خلال افكاره، وانكان بعض المؤرخين ينفون عنه هذه التهمة. وبالتالي كانت النتيجه ان قتل السهروردي بامر الملك الظاهر، ومن هنا اطلق عليه لفظ المقتول، واطلق تلاميذه عليه كلمة الشهيد. غير ان شيخ الاشراق هذا الذي قتل في الثلاثينات من عمره كان له الاثر السلبي البالغ في الثقافةالاسلامية، لذلك يجدر بنا ان نقف قليلاً عند افكاره.

كان السهروردي متأثرا بثلاث شخصيات هم افلاطون وزرادشت وهرمس الذي يكاد يكون مجهولا لدى الكثير بل لدى المْؤرخين ايضا، حيث يقولون ان هرمس هذا كان حكيما كبيرا في التاريخ، بل وبعض المسلمين يدّعون ان هرمس هو النبي ادريس. غير ان هذا الادعاء بعيد عن الحقيقةكل البعد، لان افكار هرمس بعيدة عن افكار النبي ادريس، وهي بالتالي بعيده عن افكار القران الكريم التي هي بدورها تعبير عن افكار كل رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام. وهذا يشبه ادعاء البعض نبوّة افلاطون الذي هو بدوره خطأ كبير، لان افكار افلاطون بعيدة عن الافكار التي جاء بها القرآن الكريم.([29])وربما تتجلى لنا الافكار التي تأثر بها شيخ الاشراق من خلال بعض عبارات كتاب له حيث يقول: "كانت في ايران القديمة امة تدار من قبل الله، وحكماؤهم الشامخون كانوا يختلفون كليا مع المجوس، واني سجلت الاصول السامية لعقائدهم التي هي أصالة النور، وقد كملتها تجربة أفلاطون الى مرحلة الشهود، وذلك في كتابي المسمى بحكمة الاشراق، ولم يسبقني الى هذا العمل أحد".

فالذي يبدو واضحاً من هذا القول ان هذا الرجل قد تجاوز رسالة الاسلام وارتبط بالفرس القدماء، وهذه الحقيقة يؤكدها الفيلسوف المعروف الملا صدرا الشيرازي حيث يقول: "الرجل - يعني شيـخ الاشـراق السهروردي - كان متأثـراًبفلسفة النور عند المجوس".

هذا من جانب، ومن جانب آخر فان هذا الرجل كان منهزماً نفسيا امام الثقافات الاغريقية. فمن خلال تعبيراته نستطيع ان نقف على حقيقة وطبيعة هذا الجانب من شخصية السهروردي الذي يقول: "شاهدت ارسطو وقد ترآى لي شبحاً فسألته ما رأيك في أفلاطون ؟ ويجيبه - شبح ارسطو الذي مات قبل سهروردي بقرون متطاولة - بأن افلاطون هو اكبر فيلسوف واعظم عارف، وبأنه مؤسس الثقافة الانسانية". ويسرد سهروردي عن لسان شبح ارسطو فضائل لا تحصى عن أفلاطون.

ثم ان شيخ الاشراق يسأل أرسطو عن مدى فهم الفلاسفة المسلمين لافلاطون، فيجيب شبح أرسطو - على لسان السهروردي طبعا - ان مدى فهم الفلاسفة المسلمين لافلاطون كنسبة الواحد الى الألف. وهذا النقل المستوحى من شيخ الاشراق، يظهر مدى ذوبان الرجل في الافلاطونية، فيحاول ان يظهر ان افلاطون هو القمة الشامخة في واقع الفلسفة، وانه ليس لدى الفلاسفة المسلمين شيء. فهو ينقل ايحاءً ورؤيا عن ارسطو لتبريرما يذهب اليه، وما حكاه عن أفلاطون ليس وحياً منزلاً عبر شبح أرسطو، بل هو في الواقع تعبير عما يدور في خلد السهروردي. لأنه كان متصاغراً أمام أفلاطون، حتى قيل : ان السهروردي من أكثر فلاسفة المسلمين الذين صرفوا أوقاتهم في تفسير كلمات أفلاطون.

هكذا نعرف مدى تأثرسهروردي بالافكار الاغريقية، تلك الافكار التي لم ينج منها الكثير من الفلاسفة المسلمين. فالفارابي مثلا كان متأثرا وبصورة عميقة بالفلسفة الهيلينية وبالتالي بأفلاطون، فحيث رأى الفوارق الكبيرة والاختلاف العظيم بين افكار كل من افلاطون وأرسطو، وحيث وجد ان افلاطون يقول بالاشراق وانه يقول بعالم المثل ويقول بالفيض بينما يخالفه ارسطو في كل هذه المقولات وفي غيرها ايضا؛ ولانه كان يقدس الفلاسفة الأغريق جميعاً لم يكن فارابي يتصور وجود مثل هذا الاختلاف في مقولات حكيمين شامخين عظيمين (افلاطونوارسطو) ومن هنا فقد اخذ على عاتقه التوفيق بين أقوالهما وذلك بجمع افكارهما وهكذا ألّف كتاباً يفسر فيه كلمات افلاطون بما يناسب افكار أرسطو، ويفسر كلمات ارسطو بما يناسب أفكار أفلاطون. وسماه "الجمع بين رأيي الحكيمين الالهيين أرسطو وأفلاطون".


لعل هذا غريب، ولكن الاغرب منه انه سماهما بالالهيين، وأرسطو كما هو معروف ليس حكيما إلهيا. ولعـل الفارابي انما جنح الى هذه التسمية لاعتماده على كتاب موسوم بكتاب " الالهيـات "، لاحد الكتاب في القرن الثالث للميلاد - وليس قبل اربعة آلاف عام -وقع هذا الكتاب في ايدي بعض العرب الذين لم يكونوا يعرفون مؤلفه فنسبوه الى أرسطو، وكان ان اعتمده الفارابي، وكان منه ماكان من الجمع بين النقيضين.

وليس الفارابي وحده الذي انتهج هذا الخط، بل السهروردي عمل به أيضاً. فتلك الخلسة السهروردية -التي رأى عبرها شبح ارسطو!- ليست إلاّ تعبيراً عن هذا المنطق. ولعل البعض يقول -كما يلحظ ذلك من كتاب "اصول الفلسفة الاشراقية " لمؤلفه علي ابو ريان - ان المصدر الاساسي الذي اخذت عنه الاشراقيـة هو نفس المذهب الذي تاثر به ابن سينا والفارابي من قبل - واعني الافلاطونية الجديدة -وكذلك عن كتابي " اثلوجيا" و" الالهيات" المنسوبين خطأالى فلوطين تلميذ أمونيوس مؤسس الافلاطونية الجديدة. ([30])اننا حين نجد أحد المؤلفين المعاصرين يكتب كتاباً عن السهروردي ويسميه الفيلسوف الشهيد ويفصل القول عن شخصيته، فإننا نقف متسائلين حينما نعرف وباعتراف السهروردي نفسه بأنه انما كان يستقي أفكاره من هرمس وزرادشت وافلاطون، نتسائل: كيف يمكن أن يكون هذا شهيداً من أجل الاسلام. بينما شهداء الاسلام الذين سقيت بدمائهم شجرة الاسلام أمثال زيد، ويحيى بن زيد، ومحمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم أولاد عبد الله بن الحسن، والحسين شهيد فخ وغيرهم لانجد من يكتب عنهم، فضلاً عمّا يُغمز به هؤلاء الشهداء ويؤخذ عليهم اجتهادهمفي سبيل إقامة الحق وطلب الرضا لآل محمد صلى الله عليه وآله.


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب