فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الجمود في فهم الحياة
تعتقد الفلسفة البشرية أن الحياة جامدة وليست متحركة. وذلك لأن الفلسفة حين لم تكن تؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى اللامتناهية، فانها تعتقد بأن قلم التقدير قد جف ولايستطيع ان يغيّر شيئاً. وهذه النظرة الواهية مخالفة لوجدان الانسان ؛ ولما يصلح الانسان ؛ بل هي نظرة رجعية متخلفة، لان الانسان إذا اعتقد بأن ترتيب الطبيعــة وتقديرها قد انتهـى، فذلك يعني عدم استطاعته التأثير فيها بأي شيء والاستسلام لمقاديرها. وهذا يعني القدرية، وبتعبير آخر يعني ان علـى الانسـان ان يخضع ويستسلم للحوادث التي تترى عليه شاء امأبى، وليس له

ان يغير شيئاً فيما يجري عليه.

سمة الجمود هذه هي تفكر يهودي محض ؛ فاليهود يقولون إن الله قد فرغ من الأمر، { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} (المائدة/64) وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله يهود هذه الامة، وحين سئل الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله عن يهود هذه الامة قال : القدرية، اي القائلون بأن كل ما جرى ويجري قد قدره الله ولا تغيير فيه. وقد حاول بعض الفلاسفة التحرر من هذه القدرية ولكنهم لم يستطيعوا، وذلك لان القدرية تشكل عمق الفلسفة وجذرها الرئيسي؛ بل إن جوهر الفلسفة جوهر قدري، لانها تدّعي ان الله سبحانه وتعالى على قدرته وعظمته وجلاله وكبريائه اللامتناهي - سبحانه عما يصفون - عاجز عن تغيير الكون، فكيف بالعبد إذن ؟

وعلى سبيل المقابلة لا المقارنة، ولكي نبين عمق مأساة البشرية حينما تترك تعاليم الله سبحانه وتعالى، وتتجه نحو الافكار المتهرئة ؛ لابد لنا ان نشير الى بعض المعالم التقدمية التي جاء بها الاسلام العظيم في مقابل الافكار المتخلفة التي جاءت بها الفلسفة البشرية.

لقد أكد الاسلام على ان الانسان حرّ في تصرّفه، وإن كل مايجري على الانسان من خير او شر فانما هو بما كسبت يداه؛ بمعنى ان الانسان حيث تكسب يداه خيرا فان حياته سوف تكون خيرا، وإن كسبت شرا فشر، وان الناس سيجزون باعمالهم إن خيرا فخير وان شرا فشر. اذ إن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وربنا سبحانه وتعالى يقول : { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ } (الرعد/11).

ومن الافكار التي جاء بها الاسلام والتي تبعث روح الاصلاح في الانسان، وتحركه نحو الافضل ؛ وتفتح أمامه أبواب الامل للتخلّص من كل الشرور، والتحرر من القيود ؛ وتنمي فيه روح الثورة على الواقع المتهرئ ؛ الفكرة التي تقول : حتى لو كسبت يداك شرا، وحتى لو تراكمت الذنوب على كاهلك او قيدت يديك الاغلال فلا تيأس من رحمة الله وقدرته بالتوجه إليه سبحانه وتعالى، فهو الذي قال في محكم كتابه الكريم: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر/60(

فالاسلام يعطي الانسان كامل الحرية، بينما نجد الفلسفة الاغريقية تسلب عن الانسان الحرية. والاسلام يقول بأن الشرور والسلبيات والسيئات التي تترى على الانسان بامكانه التحرر والتخلص منها بالتوجه إلى ربه سبحانه وتعالى وبالدعاء إليه جل شأنه، في حين تعمل الافكار الاغريقية الجامدة على تثبيط عزيمة الانسان وسلب همته، فتنتفي قدرة الانسان والملائكة وحتى الله جل وعلا على تغيير الامور لأنه قد فرغ من الأمر.

من هنا نجد ان هذه الافكار التثبيطية الاستسلامية كانت ولا تزال موضع قبول وتشجيع الحكومات الطاغوتية، التي تجد فيها تبريراً لتسلطها وطغيانها. فالفلسفة الاغريقية ؛ وأفلاطون وأرسطو بالذات حينما يقولون بأن الله خلق بعض الناس كي يكونوا سادة، وخلق البعض الآخر ليكونوا عبيدا، فلا ريب ان هذا الاعتقاد سيجد القبول من لدن ذوي النزعات التسلطية. لكن الذي ينبغي ان يحاكي فطرة الانسان ويخاطب وجدانه بعد ان يستقرئ ماتطرحه هذه الفلسفة التي تنتج مثل هذه الافكار، ويضع المقاييس لمعرفة مدى تقدميّتها وكم هو نصيبها من الصحة والسلامة ؛ الذي ينبغي ان يحاكي وجدانه هو الوقوف على ان هذه الفلسفة خاطئة في جوهرها، عليلة من جذورها وإن عزّزت واسندت بملايين الادلة والحجج والبراهين؛ حيث إن وجدان الانسان وفطرته أقوى دليلا واوضح منهجاً.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب