فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
العالم.. وتيرة ثابتة
والسمة الثالثة للفلسفة البشرية هي الاعتقاد الخاطئ بأن ما يجري في هذا العالم انما هو على نسق واحد ثابت لا تغيير فيه. فهي والحال هذه تلجأ الى انكار المعاجز، وتحاول تبريرها بتبريرات مادية محضة، باعتبار ان هناك قوانين طبيعية هي التي تسيّر هذا الكون، وان الله جلّت وعظمت قدرته لا يستطيع ان يخرق هذه القوانين ؛ فكيف يبعث الانبياء ؟ وكيف يقول للنار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم ؟ وكيف يحوِّل عصى موسى الى ثعبان عظيم ؟ وكيف يشق البحر لبني اسرائيل ؟ وكيف يحيي الموتى على يد عيسى بن مريم ؟ وكيف ينشق القمر على يد نبينا محمد صلى الله عليه وآله ؟ وكيف وكيف.. الى مالا نهاية له من التساؤلات التي تكشف عن انكار فلسفة الوحي وعدم الايمان به، لانها تعتقد ان الوحي خرق للقوانين المادية الطبيعية التي تعتمدها الفلسفة. فهي بالتالي تلجأ الى حصر إمكانيات الفرد ضمن تلكالاطر المادية، وعليه فالانسان - وفق التصورات المادية - يمكنه مثلا ان يصبح نبيا بتنمية عقله كأن يدرس فيصير عملاقا وداهية، اما أن ينزل جبرائيل عليه السلام على أحد من البشر وان ترتبط الارض بربها عبر ملَك مقدس فهي فكرة مرفوضة من وجهة النظر الفلسفية. وهذا بحد ذاته هو الجمود الذي يقود الفلسفة إلى انكار المعاد ؛ إذ لا رجعة في اعتقاد الفلسفة ولا تغيير، وبالتالي لاجنة ولا نار.

نعم يلجأ بعض من الفلاسفة الى اللف والدوران في طرح تصوراته عن المعاد؛ وعن الجنة والنار، وتلك هي التصورات التي تكشف عن النزعات الذاتية، فيصوّر المعاد الحقيقي والجنة والنار على أنها ترتبط بمعرفة أو عدم معرفة الولي. فمعرفة الولي في نظر هذا البعض هيالجنة، والجهل بالولي هو النار. وليست الجنة أنهار وأشجار وفواكه وحور عين وقصور.. الى آخر ما يصفها القرآن الكريم، بل هي في اعتقاده ان تعرف شخصاً بذاته فتلك هي الجنة وان تنكر ذلك الشخص فتلك هي النار.

ويذهب اكثر الفلاسفة الى انكار المعاد بتأويلات بعيدة، فهم يزعمون ان المعاد هو ان تلتحق روح الانسان بعد موته بالله فتلك هي الجنة او تلتحق بالشيطان فتلك هي النار، اما ان تعاد الاجسام من جديد فذاك في اعتقادهم من المستحيلات، فهم بذلك ينكرون ان الذي يحييها هو الذي أنشأها اول مرة، وهم يتساءلون : { وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } (الاسراء/49(

نعم هذا هو القرآن الكريم يضع الاجابة لكل التساؤلات، ويتصدى لكل الانحرافات الفكرية. فالاسلام منذ البدء يقول إن الله على كل شيء قدير، ونحن إذ نعتقد بالقدرة الالهية الابدية ؛ القدرة المطلقة المتكاملة ؛ القدرة اللامتناهية اللامحدودة ؛ نكون قد وضعنا لكلسؤال جواباً. فحين تتجلى عظمة القرآن الكريم تتضح تفاهة الافكار الفلسفية الانحرافية ؛ إذ الامور انما تعرف بأضدادها، والقرآن المجيد حين ينسب كل شيء الى الله سبحانه وتعالى وبأنه قادر على كل شيء قدير، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، يحيي الموتى، يحيي العظام وهي رميم، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، يرزق من يشاء بغير حساب.. إنما يبطل ادعاءات من ينكر المعاجز الالهية وينسب كل ذلك الى القوانين الطبيعية، ويدحض التصورات المادية الواهية المحضة التي تخرجكل ذلك عن إرادة الله جلت قدرته.

نعم نحن حين نعتقد ان الله تعالى على كل شيء قدير، إنما نؤمن أيضا بأنه جل وعلا قد جعل إرادته وراء مشيئتنا الحرة. فان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، إذ هو سبحانه وتعالى القائل " ادعوني استجب لكم " فسبحان الله عما يفترون.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب