فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الباب الثاني مصـادر الحكمـة
الفصل الأول : العلـم شعـاع العقـل
العلم في البصيرة القرآنية هو نور إلهي يقوم بدور الوسيط بين النفس البشرية وبين الموجودات ؛ إذ الموجودات ليست مضيئة ونورانية بذاتها، والانسان كأحد الموجودات ليس نورا بذاته ايضاً. فلو انه كان كذلك، لكان يعلم كل شيء وفي كل وقت، ولما غاب عنه شيء في اي وقت ؛ والاشياء لو كانت نورا بذاتها لكانت هي الأخرى معروفة للانسان في كل وقت، وانما هي مظلمة بذاتها والانسان جاهل بذاته، لولا نور الله جل وعلا الذي يقذفه في قلب من يشاء من عباده.
فنور العلم الذي يهبه الله سبحانه وتعالى للانسان متى شاء وبالقدر الذي يشاء، هو الذي يكشف للانسان الحقائق كشفا مباشرا شهوديا حضوريا. وبتعبير آخر يمكننا القول ان من خصائص العلم وميزاته أنه يكشف الاشياء بصورة مباشرة دونما واسطة ؛ إذ به يستطيع الانسان ان يكتشف الاشياء ويشاهدها، بل وتحضر لديه. من هنا يتبين لنا ان العلم ليس صورة للأشياء في ذهن الانسان كي يتساءل هل ان هذه الصورة مطابقة لتلك الاشياء ام مخالفة لها ؟ نعم التصور موجود لدى الانسان، فهو يمكنه ان يتصور شيئا ما، او يتوهم او يتخيل شيئا ما، لكنهذا التصور والتوهم ليس هو العلم بذلك الشيء. فالانسان يمكنه مثلا ان يتخيل بحراً من الزئبق يمخر فيه قارب من فضة يقوده إنسان من ياقوت ؛ اوحتى يمكنه ان يرسم هذه الصورة على لوحة أو ينشـدها شعرا او انشودة او مسرحية، ولكن هذا الظن ليس علماً بل هو الظن فحسب،والظن لا يغني عن الحق شيئاً.
وكما يمكن للانسان ان يتصور الاشياء، كذلك يمكنه ان يصدق بالاشياء، فالتصور بسيط، والتصديق إنما هو الحكم على أمرين فبأمكان الانسان ان يزعم انه إله مثلاً وانه الرب الاعلى كما زعم فرعون ونمرود، لكن هذا التصديق ليس هو العلم لانه ليس مطابقا للواقع الخارجي. العلم هو أن تكشف الحقائق والأشياء كشفاً ظاهراً وحاضراً. فحين يعرف الانسان ان الوقت الآن مثلا ليل ؛ فذاك ليس تصورا في ذهنه ولا هو تصديق عنده، وانما هو كشف وظهور وحضور للشيء عنده.
هذه النظرية وإن اعترف بها الكثير من الفلاسفة القدماء والجدد - كديكارت مثلاً من الفلاسفة الغربيين المتأخرين - إلاّ أنها قبل ذلك من البصائر الاسلامية التي ما استكملت وما تبلورت إلاّ بالقرآن الحكيم وأحاديث النبي واهل بيته عليهم الصلاة والسلام. فآياتالقرآن الكريم وأحاديث النبي الاكرم والأئمة من أهل بيته عليهم السلام هي التي ذكّرتنا بحقيقة ان العلم نور يقذفه الله سبحانه وتعالى في قلب من يشاء من عباده، يقول تعالى: { عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. (العلق/5) وانه جلت قدرته {خَلَقَ الإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}. (الرحمن/3-4) وانه تعالى قال: {ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}. (الكهف/65 (وقال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}. (يوسف/76) وانه يدعو عباده لطلب المزيد من العلم منه { وَقُل رَبِّزِدْنِي عِلْماً } (طه/114 (وانه عز وجل هو الذي وهب العلم بالقدر الذي يشاء {وَمَآ اُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الاسراء/85). فلو تدبّرنا لفظة {اُوتِيتُم } في الآية الشريفة ووقفنا على معناها، نجد ان العلم ليس شيئاً من الانسـان، بل هو مضافإليـه، موهوب له من قبل اللـه تعالـى. ففي اللغة (أتاه، آتاه، يؤتيه وأوتي الشيء اي اعطي له) وهذا يعني ان الله سبحانه هو الذي أعطى العلم، لكن حكمته شاءت ان يعطى الانسان قليلا من العلم، وشاءت ايضاً ان يسلب من الانسان تلك العطية متى أراد الله العزيز العليم.
وهنا يبرز سؤال يقول ؛ هل يستطيع الانسان ان يزعم بعد هذا انه بمرور الزمن يزداد علماً فيصبح اعلم فاعلم ؟ لعل ذلك تصور خاطيء ايضاً؛ اذ الانسان يفقد علمه حين ينام وحين ينسى وحين يغضب، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ}. (يس/68 ( فارادة الله سبحانه ان يجري قدرا يفقد الانسان علمه، وهذا هو امر وجداني يرتبط بفطرة الانسان ووجدانه ولاتستوعبه الاقوال والامثلة، بل موضع استيعابه هو العودة الى الفطرة الانسانية. فالانسان حينما يعلم شيئا كان يجهله من قبل، لابد له ان يسأل نفسه عن كيفية علمه به، وان يستنطق وجدانه عن ماهية هذا النور الذي كشف له عن المجهول.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|