فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
العقل حجـة عندما يُحكِّم الانسان نور العقل في تصرفاته يجد نفسه -شاء ام أبى- مهتدياً سبيل الحق، مبتعدا عن الباطل، فهو حين يستمع لدعوىً مّا، فإما أن يؤمن بها إن وجدها موافقة لعقله الذي وهبه الله تعالى إياه، وإما ان يرفضها ويجانبها إن وجدها تخالف عقله. إذاً فالعقل يوجب على الانسان ان يستمع الى كل داع يدعو الى الله لأنه حجة الانسان الواقعية، ونحن حينما نرجع الى كلمات الأئمة وأقوالهم وخطبهم وأحاديثهم، تتنور قلوبنا وتتفتح. فهذا نهج البلاغة يضم بين حناياه آفاق المعرفة بالله سبحانه وتعالى. يقول الامام علي في إحدى خطبه بعد أن يحمد الله: "....الذي ليس لصفته حدٌ محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود ولا أجل ممدود. فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتَّد بالصخور مَيَدان أرضه.."([38])، ونقرأ أيضاً: "لم يُولد سبحانه فيكون في العز مشارَكاً، ولم يَلِد فيكون موروثاً هالكاً. ولم يتقدّمه وقت ولا زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن، والقضاء المبرم". ([39])إن كلمات امام المتقين، تكاد ترينا الله ببصيرة الايمان وتفتح لنا آفاق المعرفة وتوضح السبيل الى الايمان بالله سبحانه وتعالى، ونحن حينما يحدثنا التأريخ عن همّام وهو يستمع الى إمام المتقين يحدثه عن صفات المتقين، فيصيح صيحة تكون نفسه فيها ويقع ميتا ؛ نعلم كيف يتجلى الله سبحانه وتعالى لعبده المؤمن من خلال كلمات الامام علي عليه السلام.
وهذا السفر العظيم في العرفان الموسوم بـ" عيون أخبار الرضا " يوضح كثيراً من الحقائق وبعبارات بسيطة في أسلوبها تكاد تكون في متناول كل المستويات، عميقة في مفاهيمها ومحتواها، فيقف أمامها المتفكرون عاجزون عن ردها او الايراد عليها، وتلك من خصائص أهل البيت عليهم السلام لانهم الثقل الآخر الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "أني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتيأهل بيتي."
ومما لايخلو عن الفائدة فيما نحن فيه ان نذكِّر بما سبقت الاشارة إليه من أن الفلسفة الاغريقية كانت منتشرة في البلاد الاسلامية إبان عصر الامام الرضا عليه السلام، وانه كانت تجتمع لديه الفلاسفة يباحثونه ويحاورونه، ومنهم الصابئي والديصاني اليهودي ويحضر لديه الحبر والمتزندق، ولعل ابن السكيت النحوي المعروف واحد من اولئك الفلاسفة الذين حاوروا الامام عليه السلام فيقول كما جاء في رواية: وإن الله تبارك وتعالى بعث محمداً في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال : والشعر - فأتاهم من كتاب الله عز وجل ومواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم وأثبت الحجة عليهم، فقال ابن السكّيت : تالله ما رأيت مثل اليوم قط، فما الحجة على الخلق اليوم ؟ فقال عليه السلام : العقل تعرف به الصادق على الله فتصدّقه، والكاذب على الله فتكذبه، فقال ابن السكّيت : هذا والله الجواب.([40]) فالانسان إذا توجه الى عقله فسيأمره العقل بالخير وينهاه عن الشر ؛ يُحلُّ له الطيبات ويحرم عليه الخبائث. هنا يجد العقل ان نور القرآن يبلور النور الموجود عنده، فيذعن الانسان حينئذ ان هذا العقل هو من اللهسبحانه وان هذا القرآن ايضا منه جل وعلا.
اما ان يفقد الانسان نور العقل وينجرّ وراء الأوهام والعنت والغرور فلم يكن ليملك الحجة، وعندها يقف ساكتا صامتا لا يعي من أمره شيئا. فهذا ابن أبي العوجاء -لعنه الله - عاش زنديقا ومات زنديقا بين الناس ؛ رجل طبع على قلبه، يجئ فيحاور الامام الصادق عليه السلام، ثم يعجز عن الكلام فيسكت ويسخر منه أصحابه متهكمين بأنه الذي لم يسكته أحد فكيف به الآن امام حجة عظيمة. فيقول لأصحابه : ويحكم كدت ان ارى الله بيني وبينه، كما جاء ذلك في نص الرواية في موسوعة بحار الانوار / ج3 / ص43 / رواية 18. ولكن - وكما قلنا -انما طبع على قلبه وملئ حقدا، ففقد نور العقل وبالتالي فقد الحجة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|