فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
شرف العقل
يتّضح لنا مما سبق ان الانسان لابد له ان يعود الى نفسه ليعرفها وليميّز الصحيح من الخطأ وان لا يتوقع ذلك من الآخرين، وحينها سيجد انه حصل على الجوهر؛ حصل على المصباح، إذ على من يطلب المزيد من الاستضاءة لابدّ له ان يزيد في زيت المصباح ليشع نوره ويعم أرجاء الغرفة بدلا من اللجوء الى تغيير زاوية الضوء او لون جدرانها، بل لابدّ له من ان يزيد نور عقله إذ ما من شيء اكتمل عند الانسان أشرف من العقل. وربما تكون قصة آدم على نبينا وعليه السلام دليلاً على شرف العقل، " إذ هبط عليه جبرئيل فقال : يآدم إني أمرت أن أخيرّك واحدة من ثلاث، فأختر واحدة ودع إثنين، فقال له آدم : وما الثلاث يا جبرئيل ؟ فقال : العقل والحياء والدين، قال آدم : فأني قد إخترت العقل، فقال جبرئيل للحياء والدين إنصرفا ودعاه فقالا له : يا جبرئيل إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيثما كان، قال :
فشأنكما، وعرج ". ([42]) فالايمان مع العقل، والعلم مع العقل، والتقوى مع العقل، وكل صفات الخير مع العقل.

وروي عن موسى بن جعفر عن ابيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن ابيه الحسين بن علي عن أبيه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهم السلام قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي لم يطّلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزهد رأسه، والحياء عينيه، والحكمة لسانه، والرأفة فمّه، والرحمة قلبه، ثم حشاه وقوّاه بعشرة أشياء : باليقين والايمان والصدق والسكينة والاخلاص والرفق والعطية والقنوع والتسليم والشكر؛ ثم قال عز وجل للعقل : أدبر، فأدبر، ثم قال له : أقبل، فاقبل. ثم قال له : تكلم، فقال : الحمدلله الذي ليس له ضدّ ولا ندّ ولا شبيه ولاكفؤ ولا عديل ولا مثل، الذي كل شيء لعظمته خاضع ذليل، فقال الرب تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا احسن ليمنك ولا اطوع منك ولا أرفع منك ولا أشرف منك ولا أعز منك، بك اُوَحَّد وبك اُعبَد وبك اُدعى وبك اُرتجى وبك اُبتغى وبك أخاف وبك أُحذر، وبك الثواب وبك العقاب. فخر العقل عند ذلك ساجدا، فكان في سجوده ألف عام، فقال الرب تبارك وتعالى : ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع. فرفع العقل رأسه فقال : إلهي اسألك أن تشفعني فيمن خلقتني فيه، فقال الله جل جلاله لملائكته : أشهدكم اني قد شفعته فيمن خلقته فيه". ([43])هذا هو العقل وهذا هو شرفه ومكانته وهذه هي آياته، وحيث توافرت هذه الصفات لدى الانسان كان عاقلا، إذ ليس العقل إلا جوهر فوق كل الجواهر.

وفي حديث آخر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "يعتبر عقل الرجل في ثلاث؛في طول لحيته وفي نقش خاتمه وفي كنيته". ([44])اما طول اللحية فلا ريب انه دلالة على طبيعة عقل الانسان، بل نخص به الرجل. وما نراه اليوم في المجتمعات الغربية خاصة من النماذج المبتذلة في اسلوب حلق اللحية ليس إلا دليلاً على طبيعة عقولهم، لانا اسلفنا ان العقل ليس شيئاً تكشفه بنفسك، بل تكشفه من خلال علاماته كما يقول الامام الصادق عليه السلام.

اما النقش على الخاتم فلا ريب انه دلالة على شخص صاحبه، إذ هناك من يتخذ لنفسه رمزاً خاصاً ينقشه على خاتمه مثلاً، وهذا الرمز في الحقيقة كاشف عن طبيعة صاحبه ضعة ورفعة، فمنهم من يتخذ لنفسه لقباً جميلاً رفيعاً او ينقش على خاتمه مجموعة من السور او الآياتالقرآنية، والبعض الآخر يتخذ لنفسه لقباً وضيعاً ينقشه على الخاتم، وهذه كلها إن هي إلاّ تصرفات تنبئ عن ماهية ذلك الانسان وتكشف عن مدى طبيعة عقله وسعة تفكره، ومثلها الالقاب والكنى والاسماء التي يتخذها الانسان لنفسه او التي يكنيه بها الآخرون.

وجاء في حديث آخر : " إذا أردت ان تختبر عقل الرجل في مجلس واحد فحدثه في خلال حديثك بما لا يكون فإن أنكره فهو عاقل وإن صدقه فهو أحمق". ([45]) كما قيل : حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له، إذ يتبين هنا ان جلسة واحدة او مصاحبة واحدة تكفي للوقوف على عقل الانسان من خلال تصرفاته، ومن خلال علائم العقل ودلائله، فالعقل يكشف بدلائله وعلاماته ولا يمكن وصفه وتوهمه.


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب