فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
سبيل إكتشاف الحقائق حين يعرف الانسان ماهية العلم، وينتبه العقل لذاته من خلال وجدانه ومن خلال آيات العلم ودلائله، يكتشف انه يعلم ان كل معلومة اكتشفها العلم فهي صادقة، وكل معلومة اكتشفها العقل صادقة ؛ ويكتشف ايضاً ان كل معلومة عرفها من خلال الظن ومن خلال الأماني والأهواء والشهوات فهي غير صادقة. لذلك فالاسلوب الأهم لإكتشاف الحقائق وعدم الزيغ عنها، أبتداءً من الايمان بالله تعالى وإنتهاءً بأصغر الاشياء هو أن يعرف الانسان العقل؛ ان يعرف العلم. وهذا لا يعني ان يعرف الانسان العقل او العلم عبر التوصيفات والمفاهيم، بل ان يعرف الانسان نور العلم الموجود لديه من خلال آياته ومن خلال بصائره، وحينها سيكون العلم واضحا لديه موثوقا به مطمئنا إليه، وفي غير هذه الصورة تصبح معرفته جهلاً وتيهاً وضلالاً؛ اذ ليست تلك المعرفة إلا مجموعة أوهام وظنون وخرافات وأساطير.
ولعل مثلاً بسيطاً يوضح الغرض، فحين يعلم الانسان بانه يجلس في صالة ذات باب واحد وانه يتوقع دخول شخص ما صديقا كان ام عدوا من تلك الباب، لاريب انه سيتوهمهما حال دخول احدهما لعدم قدرته على التمييز حينها، فربما استقبل العدو ودافع الصديق بسبب ذلك الوهم،كذلك الحال لوكانت الصالة ذات بابين ولم تخصص احداهما للصديق والاخرى للعدو، لكن الحال ستختلف حتما لو كانت الصالة ذات بابين وخصّصت احداهما للصديق والاخرى للعدو، حيث سيحصل التشخيص والتمييز بين باب العدو وباب الصديق وبالتالي يحصل تشخيص الصديق من العدو.
فالنفس البشرية مثلها مثل الصالة، والعلم والجهل مثلهما مثل الصديق والعدو، والانسان قبل ان يهتدي بهدى القرآن ويعلم العقل ويعرف الخصائص العقلية، مثله مثل ذلك الذي لايميز من اي باب سيدخل الصديق ومن ايتهما سيدخل العدو. إذ القرآن الحكيم و أقوال النبي وأهل البيت عليهم السلام تخاطب الانسان فتعرِّفه على الصديق والعدو وترشده الى الباب الذي يدخل كل منهما منه. وتوضح له ان الجهل يدخل من خلال الظنون والاهواء والشهوات وكلام الفاسقين، وان العلم يدخل من خلال بصائر القرآن والحقائق التي يبينها الرسول وأهل بيته عليهم افضل الصلاة والسلام وكلمات المؤمنين.وعندها يستطيع الانسان ان يميز بين الافكار الصحيحة والافكار الخاطئة.
القرآن الحكيم يقول: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ}، ومعناه ان هناك كلمتين، إحداهما (سماع) والأخرى (استماع). والسماع هو ان يسمع الانسان شيئاً دون ان يتوجه إليه ودون ان يركز الانتباه له، بينما يعني الاستماع أن يسمع الانسان شيئاً مع الانتباه والالتفات. فالقرآن الحكيم يشير الى الذين يركزون الانتباه الى الكلام، إلى الذين يقصدون التوجه الى الكلام فيأخذون الصحيح ويتركون غير الصحيح : { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَهُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ } (الزمر/18 ) أي أولئك هم أصحاب العقول.
كمـا يقول القرآن الحكيم ايضاً : { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُــوا إن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍفَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (الحجرات/6) فالله سبحانه وتعالى يريد من عباده التثبّت مـن الاقوال في انفسهم، لأن اقوال الفساق لا تجرّ الانسان إلاّ الى الندامة، إذ الفاسق ليس إلاّ الباب الذي يدخل منه الجهل.
والقرآن الحكيم يقول كذلك : { أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} (المؤمنون/6 (فحين يعرف الانسان الرسول الذي أرسله الله تعالى يعرف لزوم الأخذ عنه، لانه لا ينطق عن الهوى، وما جاء به الرسول فمن الله وهو النور، والنور هو العلم.
تقول الروايات : " عدو علمك الهوى " و" العلم مكسوف بطوع الهوى " إذ الانسان حين ينساق وراء أهوائه ورغباته، انما ينشئ حاجزاً بينه وبين الحقائق.
لكن العقل وفي كثيرمن الاوقات يخالف الهوى، وحين ينجر الانسان وراء هواه تراه يخالف العقل، ولعله ينصت بكل جوارحه حين يتحدث الآخرون عن حسن صفاته ومحاسنه ويكيلون له المدائح والاطراء عليه وإن خالفت الواقع. وعلى العكس من ذلك سينتفض تاركا المكان مرتعد الفرائص منتفخ الأوداج منشدّ الاعصاب لمجرد ذكر معايبه ومساوئه وان هي وافقت الواقع. كل ذلك لان التحدث عن محاسنه مما وافق هواه والتحدث عن مساوئه مما خالف هواه، وهذا الانجرار وراء الأهواء هو الجهل بعينه، هنا تجيء الروايات محذرة من صحبة اصدقاء السوء لانهم الباب الذي يلج منه الجهل، مؤكدة على صحبة المؤمنين باعتبارهم إحدى الابواب التي يرد منها العلم.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|