فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
العقبة الأولى : التأطر بحدود الدنيا من الجهـل بمكان ان يحدد الانسان تفكـره ضمـن حدود هذه الدنيا الفانية، إذ
ان هذا الاطار الضيق من التفكر لا ريب انه يحصر الانسان في زاوية لا يبصر منها إلا ما يتصور أنه يحقق له البقاء دون أدنى نظرة مستقبلية، فينقاد شاء ام أبى الى متاهات لانتيجة لها إلاّ السقوط الى حضيض حب الحياة العاجلة، وبالتالي السقوط والهوي الى الارض.. ولهذا قيل: أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، فالحب يعمي ويصم ومن ثم يجر وراءه الكثير من التصرفات التي تجر الانسان من انسانيتـه فلم يعد حينئـذ أشـرف المخلوقـات، ويعجز عندها من ان يدرك انه ما خلق ليحيا هذا السنين المعدودات القصار في عمر الزمن فحسب، ما خلق ليحياهذه العاجلة فقط، ويعجز ان يفهم { فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ } (التوبة/38) بل هو أيضاً يغفل عن الآجلة ويعيى عن فهم معنى الخلود وان هناك حياة أخرى هي خير وابقى { بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاَخِرَةِ بَلْ هُمْفِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِنْهَا عَمُونَ} (النمل/66).
ثم ان الانسان حين تنحصر افكاره وتصرفاته في حدود آنية، وحين يتصور ان عصفورا في اليد خير من عشرة على الشجرة ؛ انما تتنامى فيه عادة التقاعس والخمول والاستسلام الذي يفتُّ في عضده ويعيقه عن مواجهة المشكلات وبالتالي عن الوصول الى طموحاته المعنوية والمادية.
وهذا امام المتقين علي عليه السلام يقول: "ولاينال العبد نعمة إلاّ بفراق أخرى".([59])فما من شك في ان من يريد المستقبل لابد ان يترك بعض لذاته الحاضرة، ويعد نفسه لتجاوز هذه العقبة الكأداء من حب الدنيا والغفلة عن الآخرة. وليس ذلك منحصراً في الأفراد بالذات، بل وينعكس على الأمة أيضا. فأي أمة، حين تنحصر توجهاتها ضمن أطر محدودة دون النظرالى المستقبل ودون السعي الى التقدم الحضاري، فسوف لن تبقى متأخرة عن ركب الحضارة فحسب، بل وربما يسوقها هذا التقاعس والاستسلام الى التقهقر، وبالتالي الى الفناء والعدم.
ان العقل هو القادر على تجاوز العقبات، والقرآن الحكيم يزيد نور العقل عبر آياته الكريمة، التي تذكره بأنه ما خُلق عبثاً { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً } (المؤمنون/115 ( بل خُلق ليبقى، خُلق ليحيا { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الاَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } (الانعام /32)ثم هي تنير الطريق امام الانسان ليرقى بتفكره بعيداً عن أفقه المحدود، وتدفعه للتحـرر لينطلـق بأفكـاره وتوجهاته الى آفاق أسمى مما هو فيه من التقوقع والإستكانـة؛ دون ان تنكرعليه نصيبه من هذه الدنيا، بل تدعوه للفوز بحياة سامية عالية من خلال هذه الحياةالدنيا { وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ } (القصص/77) إذ القرآن حين يذكر العقل وينوره انما يمد للانسان حبال النجاة لانتشاله من هذا المستوى المتدني من التفكر المحدود بحب الحياة الدنيا، والارتقاء به الى التفكر في الرابطة الوثيقة بين الحياة الدنيا والحياة العليا، بين هذه الحياة التي يحياها الآن، والحياة الآخرة التي تنتظره، حياة السمو والخلود، فيدعوه للانطلاق بتفكيره والتحرر من الحب الاعمى لهذه الدنيا، الى حب سام في معانيه، الى حب الحياة الآخرة " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداًواعمل لآخرتك كأنك تموت غدا "([60]) وعندها تزول إحدى العقبات ويبدأ الانسان بالتكامل الصفات.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|