فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
العقبة الرابعة : اللاعلمية وتندرج تحت عقبة اللاعلامية او اللاعقلانية ثلاث صفات : طول الأمل، والتمني، والتضني. وكل من هذه الصفات رذيلة بذاتها وتستتبعها صفات رذيلة أخرى.
اما طول الامل فانما يعني الفرار من الحقيقة الى الوهم. يعني الفرار من رحاب الواقع الى كهف الحلم، وهذه هي اللاعلمية. وحينما يعيش الانسان آمال الخلود في هذه الدينا الفانية، فانما يعيش أحلاما تتناقض مع الحقيقة والواقع. فالحقيقة تقول { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } (الانبياء/35 (، وهذه قوافل الموتى رسل الله للانسان تنذره بالرحيل الذي لا بد منه. لكنها القلوب المريضة والعيون التي أصابتها الغشاوة لا تعقل هذه الحقيقة ولا تدركها، بل لعل هناك من يزعم بأنه سيخلد أبد الدهر والى مالا نهاية دون أن يصرّح بذلك بلسانه، بل تراه يكشف عن زعمه عبر أفعاله وممارساته. ففارق بين أن يقف الانسان امام الله تعالى متوجها بكل أحاسيسه وجوارحه الى ربه ليصلي صلاة مودع ؛ موقناً بأن إليه سبحانه وتعالى الرجعـى { وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا } (الحج /7) وأنـه { إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلايَسْتَقْدِمُونَ } (يونس/49) فيؤدي صلاته منقطعاً الى الله عز وجل، إذ قد تكون صلاته هذه التي يقيمها الآن آخر صلاة له في هذه الدينا، وحينها ستكون بالنسبة إليه معراجاً روحياً حميداً الى الله سبحانه وتعالى ؛ وبين أن يصلي الانسان متوجهاً بوجهه الى القبلة، وجوارحه الى جهات شتى، وأفكاره موزعة لا يدري أثنتين صلى الصبح ام ثمانياً، لأن آماله وأحلامه إنما هي فيما بعد هذه الصلاة بلحظة او بساعة وحتى بألف عام. وهذا هو الهروب من الحقيقة، وهذاهو الفارق بين العلم والجهل، والنبي صلى الله عليه وآله يخط بين الاجل وبين ابن آدم خطاً ويقول : هذا ابن آدم وهذه آماله، ويخط بينهما خطاً ويقول : وهذا أجله يفصل بينه وبين آماله.
وأما التمني، فيعني ان الانسان اذا أراد شيئاً ما، فلابد ان يقرن إرادته بالفعل. إذ من المعلوم ان الوصول الى الهدف لا يتحقق إلاّ بالسعي والعمل، وحين تتجرد الارادة عن الفعل تصبح تمنيا. وليس التمني إلاّ حالة من الخمول والتقاعس، وليس هو إلاّ الهروب عن الحقيقة. وبالتالي ليس التمني إلاّ اللاعلمية { ومِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } (البقرة/78)، { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي اُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (الحج/52)ثم من يعيش حالة الوهم واللاعلمية لن يبقى متأخرا عن الركب فحسب، بل ويندفع الى الخلف والى الأسوأ والأردء، لانه ينتظر تغييرات وتحولات هائلة في هذا العالم دون ان يكلف نفسه السعي او ان يحرك ساكنا. وحين يحيا الانسان التخلف والانتكاس بدلاً من ان يعيش السمو والرقي والتقدم، فهو لايزداد إلاّ بعداً عن ربه كلما ازداد عمره، ولا يزداد قلبه إلاّ قساوة وبصره إلاّ غشاوة، وبالتالي لا يزداد إلاّ تيهاً وضلالة، فهو في نقصان دائم. والامام علي عليه السلام يقول : " من لم يكن في زيادة كان في نقصان؛ ومن كان في نقصان فالموت أولى به"، لأن حياته بالنسبة إليه لا تعني إلاّ الوهم والتمني، وبالتالي فلا تعني شيئاً بالنسبة الى المجمتع الذي يعيش فيه، فهو كَلٌ على مولاه، وموته أولى من حياته.
وأما التظني، فيعني إلقـاء الكلام على عواهنـه دون أدنى رويـة او تأمـل ينبئ عنقصور في المعرفة والادراك. فحين ينطلق الانسان في كلامه واجاباته من الظن والخيال والحدس - وكلها تتناقض مع العلم - لا ريب ان إجاباته لن تصادف الحقيقة بحال، فلا تقع موقع القبول والتصديق من السامع. ثم إن الانسان حين ينجر للتظاهر بالمعرفة، انما يحاول التمويه والتغطية على عدم علمه بالامور فيستغني بظنونه وأوهامه وخيالاته عن العلم. وهذا ولاشك عقبة كأداء تقف امام الفرد فتعيقه عن التكامل.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|