فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الطهر شرط القرب لله تعالى
إن السمو إلى مقام معرفة الكتاب الحكيم وادراك مفاهيمه، هو من مراتب القرب الى الله تعالى، لأن القرآن نور الله وكلامه. فآياته هي المعراج الذي يعرج به الانسان الى ربه { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَهَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الاَلْبَابِ } (الزمر/18).

والذي يهديه الله تعالى ويوفقه لفهم القرآن انما هو الانسان الطاهر {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ } (الواقعة/79( بكل ما في الطهارة من معنى النظافة والنقاء والخلوص والخشوع والتسليم. إذ الانسان الزكي الخالص الصفي هو الذي ينال رتبة القرب الى اللهجل جلاله، ذلك المقام الذي لا يمكن ان يناله الانسان الكافر الفاسق، الانسان المتكبر المتجبر، ولا يمكن ان يحلم به من يعيش ظلمات الفسق والكفر والتكبر والتعالي، لانها وغيرها من الصفات البذيئة الرذيلة إنما هي حجب وموانـع بين الانسان وبين لقاء الله سبحانه {وإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } (الاسراء / 45-46).

وعودة قصيرة وجيزة يعود الانسان عبرها لنفسه ويراجع بها ذاته، سيجدها في إحدى حالتين لا ثالثة لهما ؛ فهو سيشعر ولا ريب بنور لقاء الله تعالى وبالقرب منه حين يخشع بكل جوارحه لله تبارك وتعالى، وحين ينتزع من نفسه كل شائبة ونقيصة، وحين يتنزه ويترفع عن الرذائل.. ذلك لان مقام الله جل وعلا مقام مقدس نزيه طاهر نظيف، فلا يستقبل هذا المقام إلاّ الانسان الخالص من كل دنيئة، الطاهر من كل رذيلة. وسيجد الانسان نفسه قريباً من الله حين يخشع، بعيداً عنه حين يتجبر ويتكبر؛ قريباً منه حين يرأف بالناس، بعيداً حين يظلمويعتدي؛ قريباً حين يكون حليماً، بعيداً حين يكون غضوباً ؛ وبالتالي سيجد نفسه أبعد ما يكون من الله محجوباً عن نوره جل اسمه حينما تتغلب الرذائل على ذاته وتطغى على نفسيته، ذلك لان الغضب والفسق والاستهزاء بالآخرين والغيبة والنميمة والتهمة واللهو ومصاحبة الأشرار.. وغيرها من الصفات الدنيئة والخصال غير الحميدة، كلها ظلمات تحجب الانسان عن نور الله الذي لا يحجبه شيء، إلاّ أن العبد باعماله يحتجب عن نوره تبارك وتعالى، ففي دعاء أبي حمزة الثمالي " وانك لا تحتجب عن خلقك إلا ان تحجبهم الاعمال دونك ". فالانسان الذي يرتكب الذنوب والخطايا، والذي يمارس المنكرات، والظالم الذي يسحق المحرومين والمستضعفين، والمتجاوز الذي لا يعي معنى للحرمات ؛ لا يمكنه بحال ان يستضئ بنور الايمان، ولا أن يحضى بلقاء الله تعالى، لأن أعماله ستقف سداً وحاجزاً يمنعه من القرب إليهسبحانه، بل ولا ينظر إليه الله يوم القيامة ويميل بوجهه الكريم عن مثل هذا العبد اللئيم.

الايمان بالله سبحانه هو الباعث الذي يحث المؤمن على تلاوة القرآن الكريم للاعتبار به والاتعاض بمواعظه والائتمار بأوامره والانتهاء بنواهيه، وبالتالي للاستزادة من نور الله تعالى. وتلك أمور لاتتيسر إلاّ بإدراك مفاهيم القرآن واستيعابها، وهذه بدورها لا تتيسر إلاّ لمن أخلص نيته، وأول الخلوص هو التسليم والاذعان لأوامره ونواهيه. وليس من صفات الانسان المؤمن التكبر والتجبر، إذ الانسان المعاند الجاحد لا يمكنه أن يرتقي إلى فهم آيات القرآن، لأنه ليس في مقام القرب الى الله، وليس في مقام العروج إليه جل شأنه.
فلم يكن في مستوى معرفة القرآن، لان قلبه محجوب بالعناد والتكبر، محجوب بالظلم { إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (المائدة/51 (محجوب بالفسق { وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } (المائدة/108)

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب