فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
حق تلاوة القرآن حق تلاوة القرآن أن يتدبر الانسان في آياته حينما يكون هدفه التنوّر بنور الله تعالى، وبالتالي القرب إليه عز وجل { الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ اُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } (البقرة/121). وحين يطهر الانسان نفسه ويعدها لاستقبال الانوار الالهية سيجد ولا ريب انه على سلم الارتقاء الى معرفة الرب، لانه سيستزيد علماً ومعرفة جديدة ترقى به الى مقام القرب من الله تعالى { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } (الانفال/2 ).
وهذه النعمة العظمى انما تتيسر للذي يتلون القرآن وهوفي حالة من التسليم والخشوع، وفي حالة من الرضا والقبول والانابة إليه جلت قدرته { يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَم } (المائدة/16)، { وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } ( الشورى/13) .
فلا عجب أن نرى المؤمنين - وهم يتلون آيات القرآن الحكيم - ترتعد وترتجف فرائصهم، ولا عجب أن تنساب دموعهم رهبة من عذاب الله تعالى ورغبة في الله واطمئناناً إليه والى رحمته ورضوانه.. لان القلوب التي لا حجاب بينها وبين الله تعالى، وجلة خائفة من عذابه وغضبه، لكنها وفي عين الوقت مطمئنة الى رحمته ورضوانه. ذلك هو الخلوص بعينه، وذلك هو التسليم بذاته بل ذلك هو السمو والتكامل والرقي الى مقام القرب من الله جل وعلا.
وعندما لا يكون الانسان بمستوى التقرب الى الله تعالى، لا يكون بمستوى معرفة آيات القرآن الكريم أيضــاً. فلا تتجاوز آياته الشفاه لكثرة الذنوب والمعاصي " رب تال للقرآن والقرآن يلعنه ". إذ التدبر لا ينسجم مع حالة الغفلة عن ذكر الله تعالى { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ اِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ اُوْلُواْ الأَلْبَابِ } (ص / 29)، أن الغفلة عن ذكر الله انما تعني الصيرورة الى الضلال، وذلك يستصحب - ولا ريب - الضياع في متاهات الرذائل دون وجل او خوف من ارتكاب المعاصي والاتصاف بالظلم والتكبر والجحود، وما الى ذلك من الصفات الدنيئة البذيئة. ومثل هذا الانسان لا يبحث عن رضا الله قطعاً ، وانما يبحث عن رضا الطاغوت، لأنه لا ينيب الى الله فيبقى حيث هو { وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (البقرة/258).
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تنذر وتتوعد الكافرين والظالمين والفاسقين بعدم الهداية، الذي يعني بدوره خسران الدنيا والآخرة { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لآ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } (المنافقون/9). وليس هو الخسران فحسب، بل هو المزيد من الشقاء والانحطاط { وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً } (الاسراء/82 (، { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراًمِنْهُم مَآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً } (المائدة/64).
وحالة التسليم والرضا تستوجب من الانسان ان يدفع عنه المعاصي، وتتطلب منه التوبة الى الله والانابــة إليـه تعالـى. وحينها سيجد في القرآن نوراً يبصر به الناس ويرى به الطبيعة، بل ويرى كل ما حوله. ولا غرابة حينئذ إذا ما قرأه على ميت فأحياه الله، ولا عجبإذا ما قرأه على جبل فتحرك أو على أرضٍ فتقطعت. { وَلَوْ أَنَّ قُرءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بِل لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً } (الرعد / 31).
ثم إن حالة الرضا والقبول تتطلب التوجه من العبد بكل جوارحه لكلام ربه، وعدم الانشغال عنها، بل الانصات والاستماع لتوجيهاته جل وعلا، والاعتبار بمواعظه وأحكامه مباشرة { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الاعراف/204(
اما لو كان الغرض التلاوة فحسب دونما نزاهة، او ان يكون الهدف عدّ ما يتلىمن الآيات والاحزاب والسور، أو أن يكون همّ القارئ عدّ الصفحات وقضاء الساعات دونما تدبر واتعاظ.. فذاك لا يعني طلب نور الله، فلا يعني - بالنتيجة -القرب إليه تعالى، بل هو اللهو والغفلة { وَمَا يَجْحَدُ بِاَيَاتِنَآ إِلاَّ الظَّالِمُونَ } (العنكبوت/49(.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|