فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
فلسفة القرآن
ونحن نقول لمثل هؤلاء : هاهو القرآن الكريم، من بدايته الى نهايته فلسفة، لكن فلسفته تختلف عن فلسفة الاغريق، ففلسفة القرآن ظاهرها أنيق وباطنها عميق، ظاهرها حِكم وباطنها علم، له تخوم ولتخومه تخوم، له بطن الى سبعة أبطن، وقد علم النبي العظيم صلى الله عليه وآله فلسفة القرآن لعلي في اللحظات الاخيرة من حياته، والذي قال عنه الامام عليه السلام : علمني رسول الله باباً من العلم ينفتح لي منه الف باب، وأبواب العلم تلك لم تكن في الصلاة والصيام فقط، وهذا ما يشهد عليه كلامه عليه السلام الماثل أمامنا. فخطبته فيصفات الله، وخطبته في الطاووس، وخطبته في النحلة، وفي النخلة وكلماته التي تبين رؤيته الى الحياة تلك الكلمات التي ملأت الآفاق، هي التي علمه إياها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

إن كل الاديان الالهية والثقافات البشرية لابد وأن ترتكز على قاعدة فلسفية مختصة بها، وهذا الذي يدعونا الى الحذر والتبصّر. فقد لايقتنع انسان بالفلسفة الدينية، وهذا لايعني أنه لايؤمن بفلسفة قط، فتفكيره ونظرته الى الحياة، ثم سلوكه فيها، لابد أن يكون مبنيـاً على رؤية معينة.

إن الولاية لاهل البيت تعني وقبل كل شيء : التخلق بأخلاقهم وأخذ العلوم والمعارف عنهم عليهم السلام، وفي الحديث عن الامام أبي جعفر الباقر عليه السلام انه قال : " من دان الله بغيــر سماع عن صادق ألزمه الله التيه الى يوم القيامـة ". ([65]) وليس القصد من علم أهل البيت عليهم السلام هو علوم التكنولوجيا والرياضيات وأمثالها من العلوم المختبرية، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآلهيحث على طلب مثل هذه العلوم من أي شخص، ومن أي مكان، حيث يقول صلى الله عليه وآله وسلّم: " إطلب العلم ولو بالصين" ([66]) و: "الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها أنى وجدها ". ([67]) بل المقصود بالعلم الذي لايؤخذ إلاّ من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله هو : علم التوحيد وعلم العقائد وعلم الثقافة والمعارف الالهية.

إن مجرّد التعبير عن حب أهل البيت، لا يمكن توجيهه بحال، فلا معنى لأن يكون الانسان محباً لهم مؤمنا بهم، بينما نراه يضع جلّ إهتمامه لدراسة كتب هذا وذاك، تراه يقرأ كتباً لبرتراند راسل ولجان جاك روسو، يقرأ لفولتير ولوليام جيمز وديكارت ولكونت ولماركس وماكس فيبر ولآخرين غيرهم، بينما يضع جانباً نهج البلاغة والصحيفة السجادية وسائر الادعية المنقولة عن الأئمة عليهم السلام بما احتوتها من المعارف والبصائر، وبما إنطوت عليه من غزير العلم وعمق البصيرة. فكيف يمكن أن يعتبر الانسان نفسه موالياً لأهل البيت، بينمايأخذ فلسفته من غيرهم ؟!

اننـا نقرأ في القرآن كلام الله جلّ شأنه { فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ } (عبس/24) وفي تفسير هذه الآية يقول الحديث الشريف عن الامام ابي جعفر عليه السلام عندما سئل عن معنى الطعام قال: "علمه الذي يأخذه ممن يأخذه". فكما تعاف النفسالعطشى المياه الآسنة، وتتلهف للارتواء بالمياه الصافية، والاغتذاء بالغذاء السليم الذي هو قوام الجسم، كذلك نفس المؤمن تعاف الانحرافات والخرافات والاساطيـر، وتصبو الى الفكر السليم الخالي من كل شائبة، هذا الفكر الذي يشكل بـدوره طعام الروح، وإلاّ ألزمها الله تعالــى التيه الـى يوم القيامة. إذ لعل فكرة واحدة تضل الانسان ضلالاً بعيداً بُعد السماء عن الارض.

ونحن حينما نتوجه في صلواتنا الى الله تعالى وندعوه { اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْـرِ المَغضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ } (الفاتحة/6-7) إنما نسأله جلّت قدرته أن يجنبنا التيه والضلال ويعصمنا عنكل زلل، ولاريب أن ذلك يتمثل فيما يتمثل بالاهتداء بنهج الرسول وأهل بيته الكرام.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب