فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
إرادة الله كلمة والقـرآن الكريم يشير بوضوح الى هذه الحقيقة ؛ والى أن فعل الله ماهو إلاّ خلق من خلقه، فهو يبين بأن إرادته كلمة و أمر حيث قال : { ِإنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ألقاها الى مَريَـم... } (النساء/171( وقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَُ صدقاً وعدلاً... } (الانعام/115) وقال أيضاً : { وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا } (التوبة/40) وأكد أيضاً : { وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } (الشّورى/ 21) وجاء أيضاً : { إِذَا قَضَى أَمْراً فإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ( البقرة/117) { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِاَمْرِه } (البقرة/109)وثمة ملاحظة جديرة بالبحث هنا، وهي إن لفظة الإرادة - من حيث الاستخدام اللغوي - تعني الرغبة والتصميم. فهي بالنسبة الى الحادث قضية طبيعية، إذ قد تتفق مع فعله التالي لها وقد لا تتفق، فهذا أمر مرهون بتقلب الاحداث ووجود العقبات واستمرار التصميم. ومن ذلك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لما قيل له : كيف عرفت الله ؟ قال : " عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم وحل العقود ".([77]) وهذا يعني أن ثمة إرادة خارجية أقوى تشرف على تصرفات المخلوقات ككل، وأنثمة فاصلة طبيعية تعزل الارادة عن الفعل في البشر، وأن صاحب الارادة المعزولة لا بد وان يكون متأثرا بصاحب إرادة مغايرة، ولو لم يكن الأمر كذلك لوقع المستحيل في معرفة وتمييز الارادات وتمييز القوي منها عن الضعيف.
ولكن مصطلح الارادة حينما يستخدم للتعبير عن أمر الله وكلمته إنما يعني الفعل مباشرة، إذ إن علمه مطلق (ولا حدود له) كما قدرته وحكمته؛ وليس من المتصور أبداً أن يحجز الله أمر من الامور دون إرادته وفعله، وليس من المتصور أن يحجز فعل الارادة الالهية ندم أوإعادة حسابات، لأن ذلك يستدعي افتراض طرف محدد - كإله ثان مثلاً - يعيق تصرفات الاله أو يشوش عليه علمه وفكره، ويستدعي - أيضاً - حصول فوضى ووقوع ضحايا حسب رغبة الاله النابعة عن عدم مطلقية العلم والقدرة والعدالة في ذات الخالق. والله جل جلاله يقول في هذاالاطار : { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون * لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } (الانبياءِ/22 -23 (ويقول تبارك وتعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} (الروم/41)وفي هذه الآيات إشارة واضحة إلى أن تعدد الآلهة يوجب الفوضى، والله كان قبل ذلك قد بين لنا في آياته الكريمة صفات الاله وما ينبغي أن يكون عليه من أحدية ووحدانية. ثم يشير الله أيضاً الى أن مظاهر الفساد المشاهد من قبل الناس انما وقع من جانبهم هم، لأنهم ليسوا متصفين بصفات الإله التي تشمل العدل والحكمة.
إن الله جل ثناؤه قدر في اللوح المحفوظ مصير الانسان، في أية لحظة يولد، ومن أي والدين، وفي أي أرض، وبأية حالة، شقي أم سعيد، غني أم فقير، عالم أم جاهل، كيف يعيش، ومتى يموت، وبأي سبب، وفي أية أرض ، ثم قدر صورة عاقبته.. هذه الأحوال كلها مكتوبة في لوح الله المحفوظ، ولكنها لا تعبر عن الارادة، بل هي مجرد تخطيط شامل لكافة جزئيات الحياة.
وكما تقدم، فان الله إذا قدر شيئاً لا يعني العجز عن تغيير ما قدر، وهو قادر أيضا على ان يسلب العبد ما أعطاه وأن يعطيه مامنعه من قبل. وقد بحثنا مفهوم الآية الكريمة التي تقول : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ } (المائدة/64) فلو كانت إرادته بالانفاق قديمة لقضي الأمر ولم يكن بالله من حاجة الى التأكيد بأن يديه لا تزالان مبسوطتين ؛ مع ملاحظة استخدام صيغة المضارع في كلمة الانفاق حيث قال: ينفقولم يقل أنفق.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|