فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
البداء([78]) تجلي إرادة الرب
من وجهـة النظر اللغوية تعني كلمـة (البداء): (الانشاء) وليس الظهور، فهو إنشاء بعد إنشاء وإرادة بعد إرادة. أي إن الله سبحانه وتعالى يعلق وقوع حدث معين على شروط معينة وظروف خاصة، كما الحاصل في نسخ بعض الآيات الكريمة التي كان أنزلها على الرسول صلى اللهعليه وآله لواقع معين فبدلها بعد تغير هذا الواقع، وقد قال ربنا : { مَا نَنَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } (البقرة/106 (أي ننزل خيراً من، أو مثل ما يلائم واقعكم تبعا لشروط خاصة. وقال كذلك : { يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ اُمُّ الْكِتَابِ } (الرعد/39( و { لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ } (الروم/4( وقد جاء في الروايات: " صلة الرحم تزيد في العمر ". ([79]) بمعنى أن الله يقدر للانسان من العمر أربعـين عامـاً -مثلاً- ولكنه يصل رحمه فيكتب الله له مرة أخرى مدة جديدة وأطول.. حسب حكمته البالغة.

وقصة النبي يونس عليه السلام تشير الى هذه الحقيقة وهي قدرة الله على الفعل والارادة متى يشاء وكيف يشاء، إذ أمره الله تعالى بمغادرة المدينة لان العذاب سينزل على قومه، فامتثل الرسول لهذا الامر، ولما عاد بعد مدة وجد المدينة والقوم على ما تركهم عليه، فلاعذاب نزل ولا قوم هلكوا. فسال ربه متعجبا عن سر ذلك، فانبأه الله بأن قومه قد آمنوا قبيل وقوع العذاب، فانتفت حكمة العقاب. فقال سبحانه : { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهآ إِيمَانُهَآ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْي فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } (يونس/98).

ومعنى البداء أن الخالق قدر لك - مثلاً - أن تكون شقياً بسبب شقاء أبويك، أو بسبب جريمة ارتكبتها، أو بسبب الظروف المحيطة بك، ولكنه قد يمحو سيئاتك ويكتب - مرة أخرى - لك السعادة بقدرته اللا متناهية بعد أن تضرعتَ إليه بالعمل الصالح والبكاء والتودد والتوسل في إحدى الليالي العظمية كليلة القدر المباركة -مثلاً-.

وإن الاعتقاد والايمان بهذا الواقع لا يناقض الفطرة أبدا، بل هو أقرب ما يكون إليها...

وإذا كان الواقع غير ما نذهب اليه فإن ذلك يعني أن الله سبحانه وتعالى قد كتب على جميع الناس أن يعبدوه وأن يعملوا صالحا، في حين أنه قد قدر لهم مقاديرهم ومصائرهم المتعددة والمختلفة، وهذا عين التناقض. فلو كان قد قدر لنا أن نكون سعداء أو أشقياء ونحن في بطون أمهاتنا -ولا محيص عن تغيير ذلك- فما معنى أن يأمرنا جميعا بالسعي نحو السعادة والخير، ونهانا ان نقع في مهاوي الشقاء ؟! بل وما معنى أمره بأن ندعوه وأنه قريب مجيب ؟ فنحن إذا نفينا الاعتقاد بمبدأ البداء وتملصنا عنه يكون لزاما علينا أن نترك العبادة والعمل الصالح ونقف مكتوفي الايدي بإنتظار مصيرنا، بل يكون الأحرى بنا أن نطلق العنان لأنفسنا ونتنعم بملذات الدنيا - حلالها وحرامها - لنكون قد ضمنا إحراز واحدة من اثنتين - على الأقل - لذات الدنيا لا سيما وأننا نجهل مصيرنا في الآخرة!!

إذا عدنا الى قصة النبي يونس عليه السلام مرة اخرى نكتشف الكثير من الحقائق، وذلك لمعالجتها قضية شديدة الأهمية بالنسبة للعقيدة الاسلامية. فهذا النبي العظيم كان قد دعا الله على قومه بان يذيقهم العذاب بكفرهم فاستجاب الله له وأنبأه بأن العذاب واقع في الساعة الفلانية، و لما حلت ساعة المصير غادر النبي المدينة وكان على يقين بأن العذاب واقع بهم، وحينما أراد العودة سأل بعض الناس عن الخبر فقيل له إن قومه يعيشون على ما يرام ولم يمسهم عذاب. فذهب مغاضباً وركب إحدى السفن لا لوجهة معينة، فأعترض أهل السفينة حوتعملاق، فاقترعوا فكانت القرعة على النبي يونس بالذات رغم تكرار الاقتراع عدة مرات فأخذوه ورموه الى فم الحوت وابتلعه، فبقي مدة في بطن الحوت سجيناً. وقد يكون هذا جزاء لإحتمالات عديدة : لأنه دعا على قومه في عجل أو أنه لم يتوغل في نفوس قومه ليعرف ما تبقى فيها من أمل بالله العلي الكبير، أو يكون لعدم سؤاله من الله عن السبب في رفع العذاب عنهم...

فكان جزاؤه أن يبقى في بطن الحوت الى يوم يبعثون، لكنه دعا الله مرة أخرى، يملأه الاعتقاد بأن من السهل اليسير على الله أن يغير في مصيـره المقدر. فاستجاب له الله ونجاه من الغم، وكذلك ينجي المؤمنين من الحوادث والمقادير...

لقد آمنت قرية يونس عليه السلام في الوقت المناسب، وذلك حينما هرعت الى عالم رباني لها تسأله عن خروج يونس وتهديده لهم بالعذاب، فأمرهم هذا العالم بالخروج جميعا الى الصحراء والتذلل الى الله، ففعلوا بكل إخلاص ما أمروا به، فرفع الله عنهم العذاب بعد أن كاديمس رؤوسهم من قربه منهم.. وهكذا نفعهم دعاؤهم وبدالله في شأنهم، ودعا يونس الى ربه أن ينقذه من بطن الحوت ففعل وهذا هو البداء.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب