فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الانسان.. حيوان متـكلـم رابعاً : إن هذه الفلسفة تحول الانسان الى حيوان متكلم ؛ ليس له من صفات الانسانية إلاّ قابلية التكلم، وحتى هذه القابلية لا تسمن ولا تغني... ما دامت إرادة الانسان معطلة. بينما النظرية الاسلامية ترفع الانسان وتضعه في مصاف الملائكة، بل وأعلى منهم.
فحينما يخاطب الدين الاسلامي الناس ويؤكد لهم بأن إرادتهم وقرارهم واختيارهم يغير الكون ؛ فضلا عن تغييره لأنفسهم، فهو يمنحهم ملكوت السماوات والارض، وذلك بعد ان يشترط عليهم الاتصاف بالايمان والصدق. ولا يخفى هنا أن هذه الفلسفة الاسلامية لها الأثر الايجابي الاول والاكبر في تربية الناس وتنمية مواهبهم وتفجير طاقاتهم وإصلاح أمورهم، وذلك لأنه أعطاهم الأمل بالتقدم وحثهم على الكدح نحو المطلق جل جلاله .
ومن يقرأ القرآن الكريم ويتدبر في آياته يلحظ بوضوح أن الله تعالى ينسب كل الوجود والمجودات الى قدرته وليس الى قدرة أخرى، باستثناء أمر واحد فقط وهو عمل الانسان ؛ بمعنى أن الله قادر على كل شيء، ومن آيات قدرته أنه أوكل مسير الانسان ومصيره الى الانسان نفسه، وقد قال سبحانه وتعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّــرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّــرُوا مَا بِاَنفُسِهِـمْ } (الرعد/11) وقال كذلك : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه } (الزلزلة/7-8 ( أي ان المقياس الأول لمستوى حركة البشر ونوعية مصيرهم هو عملهم في الحياة، وليس هناك من تقدير إلهي جامد يحدد مصائرهم.
ولإضفاء المزيد من الايضاح على هذه الفكرة الاسلامية الاساسية لابد من الرجوع الى أحاديث الائمة عليهم السلام واحتجاجاتهم مع خصومهم وتوضيحاتهم لتلامذتهم. ومن ذلك احتجاجات الامام أبي الحسن الرضا عليه السلام الذي عاش في عهد المأمون وعاصر فترة الترجمة والانتشار الفلسفي للمدارس الهندية والاغريقية والفارسية والمانوية والزرادشتية والافلاطوينة الجديدة ؛ هذه الفلسفات التي هاجمت المجمتع الاسلامي بفعل التخطيط الفاشل في كيفية استيرادها، أو بفعل السياسة المتعمدة للمأمون الذي كان يريد مشاغلة المجتمع المسلم بقضايا هم في غنىً عنها، ليتمكن من توطيد أركان سلطته والقضاء على خصومه السياسيين تحت غطاء تُهَم الانحراف الفكري، او بفعل الحريات الواسعة التي اتيحت لليهود والنصارى والمجوس لنشر أفكارهم ومعتقداتهم في ظل كبت الأصوات الاسلامية الاصيلة التي كان يطلقها أئمة الهدى واتباعهم.
ومن احتجاجات الامام الرضا عليه السلام ما كان مع عمران الصابي - وهو من الصابئـة الذيـن يعبـدون النجـوم - قـال له عمـران : يا سيـدي ؛ ألا تخبرني عن الخالق، إذا كان واحدا لا شيء غيـره ولاشيء معه أليس قد تغير بخلقه الخلـق؟ ([86])
قال له الامام الرضا عليه السلام : " لم يتغير عز وجل بخلق الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره "قال عمران : فبأي شيء عرفناه ؟
فقال الرضا عليه السلام : " بغيره ".
قال : فأي شيء غيره ؟
قال عليه السلام : " مشيئته واسمه وصفته وما أشبه ذلك، وكل ذلك محدث مخلوق مدبر ".
قال عمران : ياسيدي فأي شيء هو ؟
قال عليه السلام : " هو نور، بمعنى انه هاد لخلقه من أهل السماء وأهل الارض، وليس لك عليّ أكثر من توحيدي إياه ".
قال عمران : يا سيدي أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق ثم نطق ؟
قال الرضا عليه السلام : " لايكون السكوت إلا عن نطق قبله، والمثل في ذلك أنه لا يقال للسراج: هو ساكت لا ينطق، ولا يقال: إن السراج ليضئ فيما يريد أن يفعل بنا، لأن الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون، وانما هو ليس شيء غيـره، فلما استضاء لنا قلنا: قد أضاء لنا حتى استضأنا به، فبهذا تستبصر أمرك ". ([87])إن الله ناطق منذ الازل، فالقدرة على النطق لديه قدرة ذاتية، وذاته أزل في أزل. وليس المقصود بالنطق هو التكلم، بل هو خلق الكلام..
وفي محاججة أخرى قال الرضا عليه السلام لسليمان المروزي وكان من المتأثرين بالفلسفات الدخيلة:
يا سليمان ألا تخبرني عن الارادة ؛ فعل هي أم غير فعل ؟ قال : بلى هي فعل، قال عليه السلام : فهي محدثة لأن الفعل كله محدث.
قال : ليست بفعل.
قال عليه السلام : فمعه غيره لم يزل ؟ قال سليمان : الارادة هي الانشاء.
قال عليه السلام : يا سليمان هذا الذي عبتموه على ضرار وأصحابه من قولهم : إن كل ما خلق الله عز وجل من سماء أو أرض أو بحر أو بر، من كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابة إرادة الله، وإن ارادة الله تحيا وتموت وتذهب وتأكل وتشرب وتنكح وتلد وتظلم وتفعل الفواحش وتكفر وتشرك، فنبرؤ منها ونُعاديها؛ وهذا حدها.
- فخاف سليمان من هذا الاحتجاج واستأنف قائلاً - : إنها كالسمع والبصر والعلم.
فقال الرضا عليه السلام: " قد رجعت الى هذا ثانية، فأخبرني عن السمع والبصر والعلم أمصنوع؟
قال سليمان : لا.
قال الرضا عليه السلام : فكيف نفيتموه ؟ فمره قلتم لم يرد ومرة قلتم اراد وليست بمفعول له ؟
قال سليمان : إنما ذلك كقولنا مرة علم ومرة لم يعلم.
فقال الرضا عليه السلام : " ليس ذلك سواء، لأن نفي المعلوم ليس بنفي العلم ونفي المراد نفي الارادة ان تكون. ([88])وجاء في حديث آخر: "عن محمد بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أول ما خلق الله عز وجل، قال : إن أول ما خلق الله عز وجل ما خلق منه كل شيء، قلت : جعلت فداك وما هو ؟ قال : الماء، قال : إن الله تبارك وتعالى خلق الماء بحرين :أحدهما عذب،والآخر ملح فلما خلقهما نظر إلى العذب فقال : يا بحر، فقال : لبيك وسعديك، قال : فيك بركتي ورحمتي، ومنك أخلق أهل طاعتي وجنتي. ثم نظر إلى الآخر فقال : يا بحر فلم يجب فأعاد عليه ثلاث مرات يا بحر فلم يجب ! فقال : عليك لعنتي، ومنك أخلق أهل معصيتي ومنأسكنته ناري، ثم أمرهما أن يمتزجا فامتزجا، قال : فمن ثم يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن". ([89])وعن علاقة المخلوق الاول بالخالق الأزلـي، فقد جــاء في الحديث المأثور عنالامام الرضا عليه السلام أنه قال في جواب سؤال عمران الصابي منه عن الكائن الاول فقال له: سألت فافهم: أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائناً لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض، ولا يزال كذلك، ثم خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة... واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقاً مقدراً بتحديد وتقدير، وكان الذي خلق خلقين اثنين: التقدير والمقدر وليس في واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق، فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما. ([90])وقال آية الله مرواريد عن هذه المادة الأولية التي هي أصل وجود الاشياء: تلك المادة مع وجودها - أي تكونها بالله تعالى شأنه - فاقدة بذاتها لنور الحياة والعلم والقدرة وسائر الكمالات النورية، وصيرورتها حية عالمة انما هي بوجدانها ذلك النور، كما ان موتها بفقدها إياه. وإنا نجد ذلك الوجدان والفقدان في انفسنا كل يوم وليلة باليقظة والمنام، مع كوننا موجودين في كلتا الحالتين. ([91])وقد جاء في الحديث أن المادة الأولى التي خلق منها الاشياء (الماء) قد حُملت دين الله وعلمه. فقد جاء في الحديث المروي عن داود الرقي قال: سألت أبا عبد الله الصـادق عليه السلام عن قول الله عز وجل "وكان عرشه على الماء" فقـال : إن الله حمّل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم: من ربكم؟ فـأول من نطق رسـول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلامفقالوا: انت ربنا فحمّلهم العلم والدين. ([92]) |
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|