فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
أولاً: التحرر وذلك لأن هذه البصيرة تجعل البشر متحرراً من كل الحتميات المادية:
أ/ متحرراً من تراثه، وتاريخه وما في حياته. فلأني كنت مثلاً من قوم متخلفين فليس بالضرورة أن أكون كذلك. أو لأني كنت شقياً أو فقيراً أو مستضعفاً، لايجب أن أبقى كذلك، بل استطيع أن أتحرر من ماضي حياتي، أو لأني كنت من قبل من أهل المعاصي والفسق، لاينبغي أن اكون يائساً بائساً، قانطاً من رحمة الله. كل ذلك لايحتم عليّ البقاء في زنزانة التاريخ المظلم لي أو لقومي. لأن الله يفعل ما يشاء، ولأنه كل يوم هو في شأن، ولأنه تعالى قبل توبة الخاطئين. ألم يتب على السحرة الذين كانوا يعبدون فرعون دهراً طويلاً من عمرهم؟ فلما تابوا تاب الله عليهم. وتاب الله على قوم يونس، حيث قال سبحانه: { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهآ إِيمَانُهَآ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْي فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } (يونس/98)
وقد قال سبحانه لبني اسرائيل: { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } (الاسراء/7)ب/ ويتحرر الانسان بوعي البداء وامكانية التحول من حتمية المجتمع. فليس بالضرورة أن تعبد الصنم الذي يعبده مجتمعك. وليس بالضرورة أن تعتنق الثقافة التي يؤمن بها مجتمعك. وليس بالضرورة أن تقبل بالعادات التي عليها مجتمعك. صحيح أن للمجتمع ضغطاً هائلاً يشبه الىحد بعيد ضغط الجاذبية التي قد لا تحس بها ولكنها تحيط بك احاطة السوار بالمعصم. ولكن القوة لله والولاية لله، والملكوت لله سبحانه. واذا توكلت عليه فانه يفتح امامك افاق الحياة الواسعة. ألم يكفر النبي ابراهيم عليه السلام بمجتمعه ابتداءاً من أبيه وانتهاءاًبقومه، فأراه الله ملكوت السموات والارض وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لاَِبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } (الانعام/74-75)
ثم قال سبحانه: { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَآجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلآَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} (الانعام/79-80)وتحدى قومه بكل ثقة وقال لهم بكل صراحة إنه لا يخاف شيئاً مادام أنه قد آمن بالله ولم يشرك به. وقال تعالى: { َوكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَاَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الانعام/81)ج/ ويتحرر من خشية الطبيعة. فبدل أن يعبد الطبيعة ويراها حاكمة عليه، يطوّعها ويجعلها محكومة له ومسخرة لأمره..
لقد كانت ملكة سبأ وقومها يعبدون الشمس، فصدت عن السبيل. وقال سبحانـه (حكاية عن الطيـر الهدهـد): { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَيَهْتَــدُونَ } (النمل/24)
ولكن الله اعطى لسليمان الذي عبد الله وعظمه أعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسخر له الريح، وعلّمه منطق الطير، وكان عنده من حمل اليه عرش ملكة سبأ من اليمن الى كنعان في طرفة عين. كل ذلك لأنّه عبد الله ولم يخضع للطبيعة. وقال الله عنه: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا له الرِّيحَ تَجْـرِي بِأَمْرِه رُخَآءً حَيْثُ أَصَــابَ } (ص/35-36)إنك تجد سليمان يستغفر الله، فيتوب عليـه ربه، فيدعوه ويستجيب الله له. ولو كان سليمان - إذ فُتِن - سقط في هـوة القنوط وزعم أنه من أهل النار، وقد قدر له أن يكون كذلك الى الابـد، فانه لم يتب ولم يغفر له. ولكنه حلق بوعـي البداء، ووعـي قدرة اللـه. وان رحمته تسبق غضبه وان قضاءه يغلب قدرتـه، وانه يتوب عن المذنب. وبالتالي إن من الممكن أن يصلــح الانسان نفسـه بعد الفساد، حلق بهذه البصيرة حتى نـال ليس الصلاح وحده وانما الملك الكبيـر.
ونتساءل: لماذا بعد الاحساس بالذنب وبعد الاستغفار، سأل سليمان الملك الكبير من ربه؟ قد يكون الجواب ان الانسان بعد أن يستغفر ربه يجد الله تواباً رحيماً، ويؤمن بقدرة الله المطلقة، ورحمته الواسعة. وحينئذ يتذكر تطلعاته المكبوتة، ويرى ان من الممكن تحقيقها بفضل الله وبفضل رحمته الواسعة، فلماذا لايطلبها ولماذا لا يطلب من الله الذي قبل توبته، وأصلح ما افسده، وبدل سيئاته حسنات، لماذا لايطلب من هذا الرب الغفور الرحيم هذا الرب الغني القادر لماذا لايطلب المزيد؟ فيطلب ويعطى.
من هنا نجد أن روح البداء هي وراء مثل هذا الطلب العظيم، ووراء هذا الملك الكبير.
د/ ويتحرر من الطاغوت وحكمه حتى ولو كانت اجهزة الطاغوت تحيط به، مثل آسية إمرأة فرعون. فقد آمنت بالله، وعرفت أن الله يستجيب دعاءها فقالت: { رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (التحريم/11).
ومثل السحرة الذين كانوا ادوات في جهاز فرعون الدعائي التضليلي، فقص علينا قصتهم حيث قال سبحانه: { وَاُلْقِيَ الْسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَـارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } (الاعراف/120-123)ولأن المؤمن بالبداء، وبقـدرة الله الواسعة في نصر المؤمنين به، يتحرر من نـيـر الطاغوت، فإن الطغاة عرفوا ذلك وحاربوا هذه البصيرة الحياتية، وتسلطوا على الناس باسم الجبـر. حتى جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله : " إني لعنت سبعة لعنهم اللهوكل نبي مجاب قبلي، فقيل : ومن هم يا رسول الله ؟ فقال : الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمخالف لسنتي، و المستحل من عترتي ماحرم الله، والمتسلط بالجيرية ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله، والمستأثر على المسلمين بفيئهم مستحلاً له، والمحرم ما أحل الله عز وجل ". ([102]) |
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|