فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
ثانياً: التطلّع
الفصل الخامس : واقع الزمـن
ماهو الزمن ؟ و كيف تحقق ؟ سؤالان اختلفت فيهما إجابات الفلسفة البشرية. فحينما يتكلف المرء علم ما لم يحط به خبرا يضل عن طريقه المرسوم من قبل خالقه. فبعض الفلاسفة أنكروا وجود الزمن من رأس، وبعضهم قال بأن الزمن ذرات صغيرة لا ترى ولا تُحس ولا تُجس، وإنهذه الذرات موجودة وهي تأتي وتذهب ولا يشعر بها الانسان إلا بأمارة نموه ونمو أولاده ونمو الطبيعة من حوله. أما إذا قيل لهم : ما هو كنه هذه الذرات وكيف تدخل في عمق الانسان وتخرج من عمقه ؟ أجابوا بأن الزمن كالنهر الجاري، والانسان واقف في هذا النهر والزمن يجري عليه كما هي مياه النهر تجري على الانسان الذي يسبح فيها.
ثم إن بعضهم قسم الزمن الى قسمين فقال : إن من الزمن ما يمر ويتحرك كمياه الأنهر، وهذا الزمن الذي يعرف بأماراته وعلاماته كالنمو. والقسم الثاني هو الزمن الرسوبي ؛ تماماً كما الحال في علوق بعض ذرات مياه النهر الصغار في جسد السابح، أو ما يخلد في قاع النهر من تراب ورمل، وهذا الزمن المترسب هو الزمن الواقف غير المتغير. أما إذا قيل لهم : كيف يمكن تصور زمن لا يجري ولا يتغير ولا تتحرك فيه ساعة صاحبه ؟ أجابوا بأن هذا الزمن هو زمن الآلهة !!
ولايخفى أن اليونانيين القدماء كانوا يعتقدون بتعدد الآلهة، وكانوا يرون بأن لكل شيء إلها، فللشمس إله وللقمر إله وللرياح إله وللحرب إله وللحب إله.. وكانوا يسمون هذه الآلهة برب الأنواع ؛ أي أن لكل نوع من أنواع الموجودات رب يدّبر شؤونه، لذلك فهم كانوا يعبدون أكثر من إله. ولا تزال حتى الآن تماثيل آلهتهم وأصنامهم في معابدهم ومتاحفهم، وباعتقادهم أن للآلهة زمناً مترسباً لايتحرك، فإنهم كانوا يعتقدون بان هذه الآلهة لاتتغير أيضاً.
وبعد ذلك، وصل بهم الامر الى القول بأن للإنسان أن يرتفع الى مستوى الآلهة، وذلك حسب طبيعة خلقة هذا الانسان، او بسبب انتخاب الآلهة نفسها له؛ لما يقوم به من اعمال جبّارة تخرج عادة عن نطاق القدرة الطبيعية للناس.
وهناك نظرية أخرى مستوحاة من هذه النظريات تقول بأن الزمن إنما هو حركة جوهرية في مادة الأشياء. فالانسان له وجهان ؛ الأول: المادة التي هي عبارة عن الذرات المتكونة منها، والثاني: صورته الخارجية التي نراها. فكل مادة من المواد سواء كانت جسماً إنسانياً أوحجراً صلداً أو نباتاً حيّاً، أو حتى مواد السماء والارض، توجد في عمق وجودها حركة تسمى بالحركة الجوهرية.
وحاول بعض الفلاسفة شرح هذه النظرية بالاشارة الى أن الزمن يتجسد في صورة المادة. فتراهم يقولون تارة بأن الزمن يمر على الانسان، كما النهر يمر على السابح، وقد تعلق بعض ذرات هذا الزمن بجسد الانسان، كما تعلق بعض ذرات الماء بجسد السابح. وتارة أخرى يقولونبأن الإنسان هو الزمن بحد ذاته، فالناس ليسوا إلاّ أزمنة متحركة، بإعتبار أن الزمن هو جوهر الانسان وحركته. وباختصار، فان هناك عدة نظريات عند الفلاسفة حول الزمان نذكرها بايجاز شديد:
أ- فالمعلم الأول يرى حقيقة الزمن هو مقدار حركة الجسم المحيط بسائر الاجسام.
ب- ويقول صدر المتألهين: انه مقدار حركة الجوهر السيال وبتعبير آخر : الزمان هو - في حقيقته - الحركة الجوهرية التي تتم في كل جسم فمقدار تلك الحركة يسمى بالزمان. ولعل ذلك هو الذي يسميه انيشتاين بالبعد الرابع.
ج- ومن الفلاسفة من يرى الزمان مجرد وهم فالماضي والحاضر والمستقبل لاوجود له في الخارج بل يوجد فقط في أوهامنا.
د- وقال بعض الفلاسفة الزمن مجرد رابطة حادثة بأخرى. فاذا صليت عند الفجر فقد ارتبطت صلاتك وهي حادثة بطلوع الفجر وهو حادث آخر فعلاقة هذه الحادثة (الصلاة) بذلك الحادث (طلوع الفجر ) هذه العلاقة او الرابطة هي الزمان.
هـ- ويقول افلاطون: إن الزمان امتداد جوهري قائم بذاته فاذا نسب الى الازليات سمي الزمان بالسرمد. وإذا نسب الى الموجودات المجردة سمي الدهر. وإذا نسب الى المتغيرات سمي بالزمان (راجع هامش الصفحة84-85 من كتاب علم الكلام ج1 تأليف سيد أحمد صفائي) .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|