فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الزمن ؛ رؤية إسلامية
قبل تبيين النظرية الاسلامية الخاصة بالزمن لا بد من الاشارة الى أن بعض النظريات نسبت باطلا الى الاسلام وهي ليست منه في شيء.

أما النظرية الحقة فتقول : إن الزمن ليس شيئا بعيدا عن المادة، وليس من الشرع او العقل أو الوجدان الاعتقاد بأن في ذاتنا تيار من الزمن ذي الذرات الدقيقة الصغيرة. فالزمن ليس هواءً حتى يدخل في رأس الانسان ويخرج من الجانب الآخر، بل إن الزمن تابع للمادة. ونحن حينما نتعمق في المادة نصل الى الذرة، وهذه الذرة مكونة من بروتون وألكترون بعضها يدور حول بعض، ولو توقفت النويّات الصغيرة في الذرة لتلاشت وانعدمت، وانعدام الذرة ليس الا انعدام الحركة. وعلم الفيزياء يؤكد بان الطاقة والمادة شيء واحد، فلا فرق بين الفحمة وبين نار هذه الفحمة، لأن نار هذه الفحمة هي ذرات الفحمة التي تتفجر شيئاً فشيئاً ؛ وكذلك لا فرق بين قنينة البنزين وبين وقود هذه القنينة. فالمادة طاقة متجمدة والطاقة مادة متحركة. هذا ما يقوله علم الفيزياء، ونحن ايضا نقول بهذا، وقد فسرت ذلك في كتاب " الفكر الاسلامي " في باب فلسفة النور، وقد أسمينا فلسفة الاسلام بفلسفة النور، واستشهدنا بقول الله تبارك وتعالى : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ } (النور/35)إن الفرق بين الاسلام وبين ما يقوله غيره يتجسد في تأكيد الاسلام على أن الزمن شيء مجرد ؛ خلقه ربنا سبحانه بكلمته التامة وهي نور نبينا محمد صلى الله عليه وآله. فالزمن هو ذات الخلقة، لأن هذا المخلوق لم يكن ثم كان. ولو افترضنا عدم وجود الاشياء، بل كان هناك فقط، وفقط نور النبي صلى الله عليه وآله ونور أهل بيته عليهم السلام أمام العرش، فإن ذلك يعني وجود الزمن. لذلك نجد في تعابير الروايات الشريفة كلمات " فبقينا، فلبثنا، دهورا " أضلة خضراء أمام عرش ربنا نسبح ونقدس له. يعني أن الزمن كان يمر عليهـم، بالرغم من أن الشمس

لم تكن ولا الأرض ولا القمر ولا الليل ولا النهار...

والجنة كذلك، فهي ذات وقت لا شمس فيه، والنور فيها متساوي التأثير في كل مكان. إن الجنة مخلوقة من جوهرة بسيطة حمّلها ربنا جل ثناؤه عَرَضا إسمهُ النور ؛ أي جوهرة نورية، لذلك، فالجنة كلها حياة، ونورها يتضاعف باستمرار بفعل الحركة الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام وبقية المؤمنين، تبعاً لعظمة نورهم المتفوق على نورها.

إن من يعتقد بالحركة الجوهرية للمادة يختلف عن المعتقد الاسلامي في نقطة هامة للغاية، وتلك النقطة هي قولهم بأن الحركة الجوهرية حركة ذاتية ؛ أي أن ذات كل شيء الحركة، وأن ذات كل شيء السير نحو التكامل والكمال. وهذه المقولة تشبه الى حد ما مقولة ماركس وداروين بالنسبة الى الحيوانات، ونظريات أخرى تعتقد بأن الكون في مسيرة تكاملية دائمة الى الامام. أما نحن الاسلاميين فنرفض هذه المقولة ونؤكد بأن كل شيء ميت إلا بالله، فحياته بالله وعلمه بالله ومماته بالله.. وليس ذات الانسان التحرك باتجاه الكمال، بل يبدو فيكثير من الأحيان أن العكس هو الصحيح، والشواهد كثيرة للغاية على أن مسيرة بعض الناس عكسية تماما، فهم بدل التطور اختاروا التراجع فكانوا أسفل سافلين، بل إن خلقة الانسان وتكوينه الجسماني آيلان الى التراجع نحو الموت، ولو لم يكن في الأمر بُعْدٌ آخر يمنح الحياة ثانية، لقلنا بأن مصير الانسان هو الفناء والعدم الأبدي.

لو كانت ذات الاشياء متحركة ؛ منتهية الى الكمال فما كانت ثمة حاجة الى الله تعالى، لأن حركة الكمال المجردة تعني الوصول الى أعلى مراحل الوجود وهو الأزل والقدم، لأن الأزل فوق الزمان.

إن جوهر الفرق بين النظرية الاسلامية والنظريات الاخرى هو أن الاسلام يقول بأن فطرة الانسان ووجدانه يدلانه على نقصه، وأن كماله وحياته وعلمه بالله جل جلاله. وكل شيء هالك إلا وجهه، وكل شيء فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام. ويقول الامام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة : " أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيــراً في فقـري ؟ " وربنــا عز وجل يقول في سورة الأنفال : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } (الانفال/17 (أي أن الانتصار الذي حققه الرسول صلى الله عليه وآله وجنوده في الحرب ضد الكفار وهو كان بمثابة التكامل لم يكن سوى إمدادا إلهيا، وان حقيقة الرمي الذي قام به الرسول صلى الله عليه وآله حقيقة غيرية لحقيقة غيبية تشير الى مصدرية الخالق الأوحد.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب