فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
هاء/ نور محمد صلى الله عليه وآله
الفصل السادس : بين القـدر والقضـاء
أخرجت الفلسفة البشرية الوضعية موضوع القدر والقضاء من محتواه الحقيقي، وأفقدته فائدته الايمانية المناسبة لها، وذلك بما ذهبت اليه من معتقدات فاسدة، بعيدة كل البعد عن مفاهيم القرآن الكريم وغايات الخالق العظيم.
وقبل أن نعرف القدر والقضاء والمشيئة والارادة، لابد من طرح مقدمة هي من الاهمية بمكان بالنسبة لاستيعاب الموضوع برمته.
إن الانسان حينما يتحدث عن الله سبحانه وتعالى عليه أن ينطلق بدءاً مما عرّف الله نفسه في قرآنه الكريم، والقرآن الكريم اكد في أكثر من مناسبة على أن اقتران صفةٍ ما، أو إسم ما بالله عز وجل يختلف اختلافا كليا عن اقتران صفة أو اسم ما بالمخلوق، وذلك تبعا للتفاوت الموجود بين الطرفين.
فحينما تقول : إن الله حنان ورحمان، وإن الله أراد كذا وما أشبه، فلا بد من أن تعرف بأن معنى كلامك يختلف عما إذا قلت : فلان حنان ورؤوف، وأنه غضب أو أراد كذا.
والفرق في ذلك يكمن في أن الحديث عن الله يعني الحديث عن غاية الفعل، أما الحديث عن الانسان فهو حديث عن مبدئه. فالانسان حينما يرحم أحدا من الناس فإن فعله هذا يتحقق عبر مراحل معينة، فهو ينظر إليه ثم يرى ما به من ضعف وعجز، ثم يتألم له قلبه، ثم تثور نفسه، ثم يأخذ مقدارا من المال ويعطيه. وأنت حنيما ترى رجلا جريحا قد دهسته سيارة فانك ترحمه وتنقذه وتسعفه وتذهب به الى أقرب مستشفى ؛ أي أن مراحل فعلك تمثلت بالنظر إليه، ثم بتأثر القلب، ثم بهمة النفس، ثم بالقرار والعزم على إنقاذه، ثم حمله الى المستشفى. فإذاقيل : فلان رحيم يعني أن (الرحمة) قد مرت عبر هذه المجموعة المتعاقبة من المراحل حتى تحققت.
أما إذا قلنا : (رحم الله فلاناً)، فإننا لا نعني أن الله قد نظر اليه بعينه، فالله لا عين له. ولانعني أن الله قد تأثر قلبه جراء هذا المنظر المفجع أو ذاك، فالله لا قلب له. فالله ينظر من دون عين، ويرحم الانسان من دون توجع قلب. فالانسان بحاجة الى المراحل والمقدمات ليحصل في ذاته تحول متكامل، اما الله جل جلاله فلا حاجة به الى تحول. فمعنى أن الله رحم فلانا هو ان السيارة كادت تدهسه فنبّه السائق والسائق غيّر الاتجاه ولم يدهسه، فالعمل نفسه الذي يقوم به الانسان الرحيم عبر الوسائل وبعد التحولات الذاتية يقوم به الله تعالى ولكن دون الحاجة الى مقدمات، وهذا معناه : " خذ الغايات واترك المبادئ " في إطار الحديث عن فعل الله تعالى.
ولنضرب مثلاً آخر: حينما ننعت انساناً بأنه غضبان، فنعني أن الدم تدفق الى قلبه، وان اعصابه تحركت وتشنجت، وان عينه احمرت، وأن أوداج رقبته برزت؛ فسادت الجسم والروح حالة استثنائية، ثم رفع يده وضرب صاحبه أو صرخ في وجهه أو أدى ما عبَّر عن غضبه. فتلك هي المقدمات وهذه هي النتيجة، ولكن الحديث عن غضب الله غني عن وجود أو حتى تصور وجود هذه المقدمات. فالله لا دم ولا قلب له ولا عروق ولا أوداج له.
إذاً، فالمبادئ أمر يخص الانسان، والنتيجة أمر يخص الله تعالى.
حينما يريد الانسان القيام بعمل ما فهو يفكر ويخطط ويعزم ويقرر، كأن يقف في الشارع وينظر الى هذا الطرف وذاك ويتأكد من ساعته فيفكر قليلا ويسهو قليلا ويطالع مذكرته ليراجع جملة من النقاط المدونة، ثم يصل الى نقطة الاوج في قراره فينطلق.
لكن مجمل هذه البدايات لا وجود لها في الحسابات الالهية، إنه في غنى مطلق عنها، لأنه خالقها لغيره. فهو يشاء وينتهي الأمر. ولكن كيف هي مشيئة الله تبارك وتعالى ؟ وكيف يفعل ؟
هذان سؤالان من جملة أسئلة تبقى الاجابة عليها مجهولة، ليس الآن فقط، بل والى الأبد، لأن الله جل جلاله، تعالى عن أن تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، فقد قرئ بين يدي العالم عليه السلام قوله : " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " فقال : إنما عنى أبصار القلوب وهي الأوهام... ([118]) فالله لا يمكن أن يتوهمه الانسان، وكلما توهمه الانسان فهو مخلوق مردود عليه. هذا الذي يمكن أن يتوهمه الانسان ليس هو الله. وقد جاء في الدعاء : " إلهي طموح الآمال قد خابتإلاّ لديك، ومعاكف الهمم قد تعطلت إلاّ إليك، ومذاهب العقول قد سمت إلاّ إليك..." ([119]) ففعل الانسان يسمو ويسمو ولكنه يعجز عن الوصول الى رب العالمين.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|