فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الرب القاهر.. والانسان الحر.. إن الكثير من الناس يتصورون بأن السلطات الظالمة عامل قاهر لا يستطيعون تجاوزه أبداً، ولأنهم كانوا يزعمون بقاهرية السلطة والسلالة الحاكمة فقد رفعوها الى مصافّ الإله، أو استعاضوا بها عن الإله. وقد عمد البعض الى الخنوع والخضوع لتصورات خرافية أخرى، حيث اعتقدوا بقاهرية الظواهر الطبيعية والموجودات الفضائية من قبيل النجوم والشمس والقمر، حتى رفعوها الى مستوى الرب الجليل.
فجاء القرآن الكريم نافيا بالدليل القاطع كل تلك التصورات الخاطئة ؛ مؤكداً في الوقت ذاته بأن الله "هو القاهر فوق عباده"، وهو مصدر الوجود ومنبع الخيرات، وهو الذي زوّد الانسان بالحرية والاستطاعة.. مشيرا في غير آية مباركة الى أن الله الذي أنعم على الانسان بالقابليات العديدة، جعله حرياً بأن يستفيد من الحرية الممنوحة له، وأن يستثمر هذه الاستطاعة في تسخير العالم لمصلحته ؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ونطالع في قصة آدم عليه السلام والأمر الالهي المقدس القاضي بسجود الملائكة له وإطاعته إشارات واضحة الى ما أنعم الله به عليه، باعتباره أباً للبشرية. لقد انصاع الملائكة كلهم لهذا الأمر إلاّ إبليس - لعنه الله -. ومن المعلوم إن إبليس لم يكن من جنس الملائكة؛ ولكن الله استثناه منهم - رغم إن هذا الاستثناء وهذا التجريد مخالف في ظاهره لاصول علم اللغة واستخداماتها - لنكون على اطلاع بأن المقصود أن جميع الوجود قد سجد لآدم والانسان، لأنه الكائن الوحيد الذي قبل بإختياره حمل الأمانة والمسؤولية في تحكيم الارادةالالهية في الوجود الرحب : { اِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } (الاحزاب/72). لقد سجد الجميع للانسان إلاإبليس ؛ ابى عن أن ينصاع للأمر الالهي المقدس، واستكبر على السجود وطاعة الانسان ؛ الانسان الذي هو خليفة خالقه في أرضه.
إن الانسان الذي تفوق على الجميع، حين قبوله تحمل أمانة المسؤولية الكبرى، أصبح الجميع طوع اختياره إلا طرف واحد يقف على النقيض منه، وهو إبليس وجنوده. فهذا الكائن الشيطاني أصبح موكلا - بتمرده - باضطهاد قلب الانسان، فهو قرين النفس الأمارة بالسوء. فكان لابد على الانسان أن يقاوم هذا العداء، وهذا العدوان، وينتصر عليه خير انتصار.
أصبح الانسان على اطلاع كامل بأن قابلياته المخلوقة فيه قادرة على تسخير كل شيء ؛ قوة الشمس والرياح والذرة والنفط والجبال والبحار.. ولكنه ينبغي أن يحذر أمراً واحداً وهو إبليس المتعرض له في الطريق. وعليه أن يسخره أيضاً بواسطة الحذر من أن يتمكن من سلبقابلياته، وحريته في استخدام هذه القابليـات.
إن القرآن كله عبارة عن هتاف عال موجه الى الانسان ؛ الانسان فحسب، يقول بأن الانسـان كائن حر مسـؤول، { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } (الانسان/3 ) و { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } (الزلزلة/7-8) وغير ذلك مما يجسّد ويصوّر حقيقة شرك من يعتقد بقاهرية الاقتصاد والجنس والطبيعة والاجتماع.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|