فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الشبهة الأولى: مسلسل الجبر
ينسب البعـض من الفلاسفة حركة الانسان الى الجبر ضمن سلسلة مترابطـة في

الظاهر ؛ خاوية في الباطن، فيقول إن مصدر حركة الانسان هو إرادته. فمثلاً هو يقوم بشرب الماء بإرادته، إلا أنه لم يرد ذلك لو لم تكن هذه الارادة نابعة أو مدفوعة بعوامل أخرى ؛ بمعنى أن ارادته مظهر لتلك العوامل، فهو يشرب الماء لأنه أراد، وهو أراد لأنه عطشان، وهو عطشان لأن كبده قد أصبح حاراً، وكبده أصبح حاراً لأنه مشى تحت حرارة الشمس منذ مدة، وهو مشى لأنه أراد ذلك، وهو أراد ذلك لعوامل خارجية أخرى، حتى تتسلسل المراتب لتعود الى أصل خلقته، وبالتالي فهو يدور في حلقة ملؤها الجبر.

إنهم ينسبون الزنا - مثلاً - الى الشهوة الجنسية، وأن الشهوة الجنسية طبيعة خلقها الله داخل الانسان، إذاً فهو مجبر على ارتكاب الزنا.

انهم ينسبون السرقة الى الحاجة، وأن الحاجة قضية فُطِر الانسان عليها من قبل الله تعالى، وأن عدم سداد الحاجة يولد الفقر، ولقد كاد الفقر أن يكون كفراً...

إن الإجابة على هذه الشبهة وما وضعوه لها من أمثلة ومصاديق يكمن في مسألة واحدة، وهي حصول التفاوت بين الضغوط والدوافع التي تحرك الانسان وبين الارادة الفاعلة التي تعتبر الاساس لكل عمل يقوم به الانسان، علما أن الدوافع والعوامل الخارجية والظواهر الكونية واحدة في أنها لا تشكل العلة التامة لاعمال الانسان بل العلة هي إرادة الانسان واختياره لاغير.

إنك لا ترى كل من يعطش يشرب الماء حتما، فمن أصيب بنزيف دموي يمتنع عن شرب الماء رغم شدة الحاجة اليه، وهذا الصائم يمتنع، وهذا المرتاض يمتنع أيضاً فما السبب في ذلك، ولماذا يكون باستطاعة هؤلاء أن يمتنعوا؟ بينما انسان آخر قد يكون أقل عطشاً الا أنه لايمتنع عن شرب الماء لأنه يريد ذلك.

إنك لا ترى كل من تفاقمت شهوته الجنسية يقوم بعملية الزنا المحرمة ؛ فهذا المؤمن يغضّ أساساً نظره عن محارم الله رغم الفتن والابتلاءات ومظاهر الخلاعة والتعري، وذلك الشاب المعتكف على بناء مستقبله يجد في الزنا حضيض الرذيلة رغم كونه محتاجاً الى ذلك، ورغمعجزه عن توفير مستلزمات وأوليات الزواج الباهضة. لماذا؟ هؤلاء يريدون الامتناع عن الحرام وغيرهم لايريد ذلك.

وإنك لاترى ايضاً كل الفقراء والجوعى ومن اشتدت بهم الحاجة يلجؤون الى السرقة، بل قد يبدو العكس هو الصحيح، حيث السرقة والخيانة متفشية في الأغنياء أكثر منها في الفقراء. إذ الفقر كثيراً ما يولد القناعة والعفّة عما في أيدي الناس، في حين ان وفرة المال، لاسيما إذا كانت قد ظهرت دونما تعب، تخلق الرغبة في الاستزادة والتكاثر فتتولد السرقة التي هي أقرب الطرق الى ذلك.. وكل هذا وذلك يعود الى ارادة الانسان.

صحيح إن العوامل الخارجية لها تأثير، ولكن هذا التأثير يقف عند حدود الارادة التي هي الشاخص والمصداق الحقيقي لشخصية الانسان المتفاوت والمختلف عن بقية المخلوقات. فعلة الحاجة أو الشهوة الجنسية لو كانت علّة تامة لانتفى التفاوت في حركات الناس جميعاً.

لقد أصبح الحرّ بن يزيد الرياحي حجة لله على من شارك في قتل الامام الحسين وأولاده وأصحابه عليهم صلوات الله جميعاً، إذ لا يسع هذا الجيش القاتل أن يبرر جريمته بما كانوا يتعرضون له من ضغوط من قبل يزيد بن معاوية وعبيد الله ابن زياد أو عمر بن سعد وشمر بنذي الجوشن لعنهم الله جميعاً. فحجة الله تصدعهم بموقف الحرّ بن يزيد الرياحي الذي تمكن من التخلص من الظلمة، والتمكن من الدفاع عن أبي عبد الله الحسين عليه السلام وأهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله رغم تساويه في العلّة والضغوط معهم.

لاشكّ أن الله سبحانه وتعالى يحتج ببعض العباد على بعضهم، والاحتجاج الالهي العادل لايكون إلاّ في حال تساوي العلة والظروف. إن سحرة فرعون الذين أصبحوا فيما بعد من أخلص المؤمنين برب العالمين، إنما كانوا أكثر اندفاعاً نحو الكفر والعبودية لفرعون من غيرهممن الكافرين الذين كانوا يحسّون أكثر من غيرهم بظلم فرعون وجرائمه، الا أنهم حين اكتشفوا الحقيقة آمنوا برب هارون وموسى بارادتهم المحضة رغم كل الظروف والدوافع التي كانت تضغط في الاتجاه المعاكس.

وجذوة القول هي أنّ العوامل الخارجية لاتخلق الارادة، وانما تخلق الضغط، وشتّان بين الواقعين. ويبقى الانسان مقتدراً على الاستسلام والتحدي في آنٍ واحد. إنه مخيّر بين انتخاب الثواب أو العقاب. إن الضغوط هي الضغوط، لن تتغيّر ولن تتبدّل، والله سبحانه وتعالى يبتلي الانسان حسب ما يعطيه من الارادة والحرية والقدرة على الاختيار.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب