فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الشبهة الثانية : طينة الانسان
الفصل العاشر : لا جبر ولا تفويض
قبل البدء ؛ لابد من التذكير هنا بأن أتباع الفلسفة البشرية قالوا في الاغلب بالجبر، بينما البسطاء من الناس اتّجهوا نحو التفويض. إلاّ أن الانسان الواعي والحكيم المتّبع لهدى ربه، يقول بأن الأمر بين أمرين؛ فلا جبر ولا تفويض، وجاء في الحديث أن رجلاً سألالامام الصادق عليه السلام: (هل) أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال (الامام): لا، فقال: فوّض اليهم أمرهم؟ قال: لا، قال: فماذا؟ قال: لطف من ربك بين ذلك. ([131])وروى المفضّل بن عمرو عن الامام الصادق عليه السلام أيضاً أنه قال: "لاجبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين". ([132])فيا ترى ماهو معنى هذه المقولة ؟ وماهي أبعادها ؟
إن الأمر بين أمرين لا يعني عدم اتخاذ موقف تجاه الجبر أو التفويض، بل العكسهو الصحيح تماماً، حيث يجب أن يضفي الانسان المؤمن الصبغة الحقيقية والصادقة على هذين التعبيرين، ويتخذ من ذلك قاعدة أساسية ينطلق منها في أعماله وأقواله وسلوكياته على صعيد الاجمال.
إن هذه المقولة تعني الاعتكاف على أخذ الجانب الايجابي لهاتين الكلمتين. فالجانب الايجابي من كلام المجبّرة هو إيمان الانسان بوجود قانون كوني مهيمن على العالم ويقوده، والجانب الايجابي من فكرة المفوّضة هو اعتقاد الانسان بحريته وقدرته على الاختيار. ومن يقول بالحل الوسط لابد له أن يستوعب جانبي الايجاب من هاتين النظريتين بصورة عميقة وواعية ؛ أي انه من جهة يعتقد بوجود قدرة مطلقة مهيمنة على مصير الكون وعلى حركات وسكنات الكون اعتقاداً راسخاً يصل الى مستوى اليقين. وفي ذات الوقت يعتقد بعمق ويقين أيضا بحريتهوقدرته على الاختيار، لأنه من دون الوعي المكثّف بهيمنة الرب على مقدّرات الوجود، ومصير الكون، وأن هذا الرب هو جاعل الظلمات والنور وهو الذي يغشي الليل النهار، وأنه هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وأنه هو الذي يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحي، وأنه هو الذي يقول عن نفسه لرسوله صلى الله عليه وآله : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } (الانفال / 17) وأنه هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، وأنه يهدي ويضل ويرزق ويطعم ويشفي ويبكي ويضحك، وأنه هو الذي بيدهكل شيء وعن أمره يصدر كل شيء.
من دون الايمان بهذه القواعد فإن الانسان - لامحالة - يكون عرضةً دائمة لوساوس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، حتى يخرجانه عن إطار إطاعة رب العالمين، وعن إطار الهدف الاسمى الذي خلق الله الكائنات من أجله المتمثل بقول الله عزّ وجـلّ : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون } (الذاريات/56)، لذلك أنت تقرأ آيات القرآن الكريم وتجد فيها من البداية الى النهاية تركيزاً مستمراً على أنّ الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء وذلك بأساليب عدة، في مقدمتها استعراض صفات الله وأسمائه الدالة على الفاعليةالمطلقة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|