فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
مسؤولية الانسان..
ثم إنك حينما تقرأ القرآن الكريم مرة أخرى تجد عشرات، بل مئات الآيات المباركة تصرح بجلاء بمسؤولية الانسان تجاه أعماله من قبيل :

1/ { هَـلْ تُجْــزَوْنَ إِلاَّ بِمَــا كُنتُمْ تَكْسِبُــونَ } (يونس /52)2/ { ذَلِــكَ بِمَــا قَــدَّمَتْ أَيْدِيكُــــمْ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْــسَ بِظَــلاَّمٍ لِلْعَبِيــدِ } (آل عمران /182) و(الانفال /51)3/ { وَقُــلِ اعْمَلُــوا فَسَيَــرَى اللّـهُ عَمَلَكُــمْ وَرَسُولُـهُ وَالْمُؤْمِنُــونَ } (التوبة /105)4/ { إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّـرُ مَـا بِقَـوْمٍ حَتَّـى يُغَيِّــرُوا مَـا بِاَنفُسِهِــمْ } (الرعد/ 11)و... وغيرها من التعابير المباشرة التي حين لا يعيها المرء حق وعيها يستحوذ عليه الشيطان ويضله عن الطريق القويم.

وحينما تطالع أقوال علماء الاجتماع والقانون تجد أنها مغايرة لما يقوله فلاسفة الجبر وفلاسفة التفويض، بل هي متفقة في تفاصيلها على القول بحرية الانسان. بمعنى أنك لو سألت علماء القانون عن أنك حرّ أو مجبر ؟ فانه سيجيبك بشكل مباشر بأنك حرّ، وأنه ما وُضِعت بنود الحقوق الاجتماعية والقوانين القضائية إلاّ لكون الانسان مخلوق حرّ ؛ بامكانه الالتزام بالقوانين فيكون شخصه محترماً وساحته خالية من الجناية، كما أن بإمكانه تجاوز القوانين فيكون شخصه عرضة لعقاب القضاء. وأنه لـو لم يكن كذلك لأصبح التقنين والقضاء أمرا في غاية العبث...

وعلماء التأريخ، وبالذات الفلاسفة والحكماء منهم، هم الذين يؤكدون على هذا الجانب أكثر من غيرهم ؛ فمثلا هناك الفلسفة الشائعة حاليا في المدارس الحديثة في علم التأريخ، وهي التي تسمى بفلسفة ( تويمبي ) القائمة على اساس فكرة التحدي والتحدي المضاد، هذه الفلسفة العريقة تؤكد على أن أساس قيام الحضارة هو التحدي، وأن أساس اندثار الحضارة قائم على وجود أو ظهور التحدي المضاد لها. وبتعبير آخر: أن الحضارة قائمة على أساس حرية وإرادة الانسان والمجتمع، إذ لا يخفى أن العاجز عن الاختيار والعاجز عن اظهار إرادته، عاجز بالتبع عن ممارسة عملية التحدي أو التحدي المضاد.

إذن فعقلاء البشر ليسوا كلهم مع أفكار فلاسفة الجبر، وهؤلاء العقلاء العاملون في سلك الأخلاق والتربية والقانون والتأريخ يذهبون الى أن من أولى صفات الانسان - كمخلوق مفضّل على غيره من المخلوقات - هي الارادة والحرية وامكانية الانتخاب والاختيار.

ولعلّ السبب الرئيسي في توجه الفلاسفة وأتباعهم الى القول بمقولة الجبر، هو أنهم قد تعمقوا في مسائل لم يفهموها بالشكل الصحيح منذ البداية ؛ بمعنى أن قاعدة انطلاقهم في ممارسة عملية التنظير كانت قاعدة غير سليمة. فهم لم يسعوا ابدا في فهم المصطلحات الخاصةبهذا العلم بادئ بدء، هذا فضلا عن أن البحث في مثل هذا العلم ليس من صلاحيات الانسان مهما تقادم به العهد أو صوّر لنفسه جدوائية البحث في هذه المسائل ومثيلاتها، حيث تفرض هذه البحوث نفسها من خلال ما قاله الخالق وحدّده في القرآن الكريم، أو ما جاء على لسان الانبياء والأئمة باعتبارهم مفوضين من قبل المرسل لهم في توضيح ما من شأنه أن يُعْجِزَ بني البشر. ولقد عزا إمامنا الصادق صلوات الله عليه السبب في وقوع بعض الفلاسفة في هذا المطبّ الخطير الى أنهم " تكلّفوا علم مالم يؤتوا، حتى أن أحدهم كان ينادى من أمامه فيجيب من خلفه، أو ينادى من خلفه فيتحدث من أمامه ". ([134]) حتى تورطوا في شبهات خطيرة بالنسبة الى إيمانهم، وإيمان من يتبعهم أو يقلدهم. وهم -بطبيعة الحال- كانوا في غنىً عن هذه الشبهات لو أنهم ردّوا الأمر الى الله والى الرسول والمعصوميـن الصديقيـن من أهل بيتـه عليهم السلام.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب