فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الجبر والتفويض.. في الأحاديث..
الفصل الحادي عشر : ماهو الوجود ؟



لقد تعمقت الفلسفة البشرية في تفسير الوجود وذهبت فيه مذاهب شتى.

وأهم موضوع تضارب فيه الفلاسفة هو حقيقة التحقق ؛ هل هو الوجود أو الماهية ؟ وبالرغم من أن كثيراً من الفلاسفة حاولوا إثبات ما أسموه بـ " أصالة الوجود " عبر أدلّة شتّى ؛ غير أن حججهم في ذلك تعدّدت وكثرت، ولم تقف عند نهاية معينة، وبالتالي عجزوامطلق العجز عن أن يأتوا بما يهزم أو يقاوم فطرة الانسان ووجدانه السليمين.

ولعلّ القضية محور البحث تكمن في أن لكل شيء حدود وإطار وجوهر ؛ فالانسان والحيوان والشجر والحجر والبحر والسماء كل أولئك عبارة عن أشياء متحققة واقعية، لها إطارات وحدود ومميزات معينة. كما إننا نستطيع أن نستوحي من واقعها بشكل عام فكرةً واحدة، وهي فكرة الوجود.

والاختلاف المشار اليه يتمحور في هل أنّ هذه الحقائق كانت شيئاً واحداً نسميه بالوجود، وأنها انقسمت عبر مميزاتها الى أقسام متعددة، أم أن الله سبحانه وتعالى كان قد خلق كل شيء ضمن هيئة مستقلة بميّزاتها وحدودها وبدئها وانتهائها وبكل ما يمتّ لها بصلة بصورة مباشرة ؟؟

وفي هذا الصدد تنقل كلمة عجيبة لابن سينا حيث يقول: لم يجعل الله (المشمش) مشمشاً وإنما خلقه كذلك. أي حينما خلق الله سبحانه (المشمش) خلقه مشمشاً ولم يخلقه مرتين ؛ مرة أتى به الى الوجود، ومرة أخرى أعطاه صبغة المشمشية -إن صحّ التعبير - وقد استوحى بعض المجبّرة من كلمة ابن سينا هذه القول بأنّ الله سبحانه وتعالى لم يجعل السعيد سعيداً أو الشقي شقيّاً، وإنما خلقهما كذلك ؛ أي كان السعيد سعيداً والشقي شقياً في الماهية.

ولكن الفطرة والوجدان الانساني السليم لا يتصور مثل هذه المفارقة الغريبة، بل إنه يدرك أن لكل شيء في الوجود تحقق مستقل في ذاته، ويطلق على المسميات أسماءها المعرِّفة لها، بحيث تتميز عن أضدادها وحتى عن شبيهاتها..

نعم ؛ إنه حينما يريد جمع الأشياء مرةً واحدة فهو يلغي الفوراق ويطلق عليها تسمية واحدة، فيقول : الوجود... الموجود... الكون، كما إنه إذا اراد الغاء الفوارق بين إنسان وإنسان فهو يسمي كل الناس بكلمة الانسان، وهذا بطبيعة الحال هو استخدام المفهوم الانتزاعي في التفاهم والتعبير ؛ لا أكثر ولا أقلّ. فالعقل رغم اعترافه بوجود الفوارق بين بني البشر ؛ إلاّ أنه إذا أراد التعبير لا يسعه إلاّ الالغاء ليسلم تعبيره من إدخال ما ليس من شأنه الدخول.

إن الموجود في ارض التحقق والواقع والوجود الملموس هو أنا وأنت وهو وهي. فنحن أُناس مختلفون في ميزاتنا من افكار وتوجهات وابعاد ماضوية وحاضرة ومستقبلية، ولكن الانسان - كإنسان - حينما يريد التعبير عن هذه المجموعة - مرةً واحدة - يقوم باستيحاء مفردات هذا المجموع ويجمعها في كلمة واحدة.

غير ان الانسان الجامع لكل أبعاد الانسان لا وجود خارجي له في ارض الواقع، بل إن ذلك خطور في الذهن وتصور عقلي مجرد عن المادة والتحقق لا أكثر ولا أقل. فالجنس شيء والافراد شيء آخر، وقد يأخذ هذا الفرد مستوى وحدوداً واسعة، وقد يستلهم من نوعه اكبر كمية وكيفية ممكنة، ولكنه عاجز كل العجز عن الالتحام بالجنس بصورة مطلقة وعامة. فجنس القلم لا ينحصر في مكان واحد، ولا يتحدد في زمن معين وهذه المادة التي بين ايدينا التي تأخذ هيئة القلم وتكون قابلة للاستفادة نطلق عليها لفظة القلم، ولكنها لا ترقى الى جنس القلم، لأن هذا الجنس يضم هيئات عديدة للغاية تعجز هذه التي بين ايدينا أن تعبّر تعبيراً حقيقياً من حيث المكان والزمان والنوع عن مثيلاتها أو شبيهاتها، فضلاً عن أضدادها من حيث اللون والمادة والاستخدام...ولكنها تبقى جميعاً أقلام من حيث المفهوم الانتزاعي.


وقد تقدّم البعض ممن قال باصالة الوجود الى القول بوحدة الوجود ؛ أي أنهم ذهبوا الى أن هذه الفوارق التي تبدو بين إنسان وإنسان، بين شقي وسعيد، بين كبير وصغير، بين مؤمن صالح وكافر طالح، بين الجيل الأول والجيل الثاني، بين الشجر والحجر، بين الارض السماء،بل بين الخالق والمخلوق.. كلها فوارق غير طبيعية وغير حقيقية، بل هي حسب زعمهم شيء واحد لا أكثر ولا أقل وهذا الشيء الواحد في درجته الاسمى وتجلّيه الأعظم هو الله، بينما التجلي الأدنى والأضعف هو صورة الأشياء التي نراها أو نتصورها.

وقالوا ايضاً : إن أعمال الانسان الخيّرة تصعد به الى درجة الله عزّ وجلّ ؛ فيتم الاندماج والتلاحم حتى الفناء..!

ونحن إنما نهدف الى معالجة ومناقشة هذه الفكرة من زاويتها الدينية، وأيضاً من الزاوية العقلية والعلمية، وإن شئتَ فقل الزاوية الفلسفية.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب