فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المرأة في مجتمع الرسالة


من ابرز ما يتميز به الدين الاسلامي؛ منه شمولية المبادئ لجميع الحقول، وعلى كافة الاصعدة والمستويات، وفي شتى المراحل المتواصلة للحياة البشرية.

وتتجلى لنا هذه الحقيقة في القرآن الكريم، حيث نجده يخاطب عقل النبي الاعظم صلى الـله عليه وآله بصفته العقل الأوسع والأكبر، كما انه يخاطب في الوقت ذاته عقل الطفل الذي لايكاد يميّز بين الكثير من الامور. فالنبي صلى الله عليه وآله ينتفع من القرآن، ويستشفمنه اعظم المعاني وابلغ العبر، وكذلك الطفل يستفيد من هذا الكتاب العظيم حسب قدراته الذهنية ومداركه.

وعلى هذا فان الآيات القرآنية هي كالسحب التي يسقي الله تعالى بها الارض؛ فهي مرتفعة ساميـة تهطل على الوديـان والهضاب والسهول، كما تروي قمم الجبال وسفوحهـا. وكلام الخالق جل وعلا مرتفع ايضاً، وعندما يفيض نوره، وينبعث هداه يشمل ويحيـط بالجميـع.

وهذه الحقيقة تمثل تجلي طبيعة الاسلام؛ فهي تعاليم وواجبـات على الجميع؛ وتربية وقيم لكلّ الناس، ابتداء من الطفل الصغير الحديث الولادة، وانتهاء بالشيخ الكبير الواقف على اعتاب الموت، كما انها تشمل المرأة والرجل بلا استثناء.

فحينما يأمرنا الاسلام بطلب العلم، ويحثنا على السعي فيه، لم يحصر هذا الأمر بالرجل دون المرأة، بل هو طلب شمولي لكل جنس الانسان. لذلك قال رسول الله صلي الله عليه وآله: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"([3]).

وكذلك حينما يدعوا الاسلام الى فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يفرق بين الرجل والمرأة في تحمل مسؤولياتهم في هذا المجال. وقد قال ربنا عز وجل: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (التوبة/71).

ان هذا الاسلوب الشمولي لايؤدي الى تقوية العمل السياسي فحسب، وانما يعمل على تمتين اواصر الحياة الاجتماعية. وعلى سبيل المثال فعندما يريد رجل سياسي -في ظل المذاهب الوضعية- ان يهاجر لأجل ان يتمتّع بحرية سياسية اكبر، وتطرح امامه احتمالات الاعتقال و السجن والاغتيال، فاننا نراه لايستطيع اقناع زوجته وعائلته. لانهم سيقولون ان أمر العالم لايعنينا، بل تعنينا انفسنا فحسب. وبهذا الاسلوب يخاطبه اهله، ولذلك فانه يلاقي صعوبة في تحركه من بيته، وانطلاقه للعمل لوجود الاغلال الاجتماعية التي تمنعه من ذلك.

هذا في حين ان الانسان المؤمن على العكس من ذلك تماما. فهو عندما ينطلق فان زوجته واهله واقاربه هم الذين يشجعونه، ويدفعونه الى العمل والتحرك والتضحية في سبيل الرسالة الاسلامية.

وهكذا فان لغة القرآن هي تلك اللغة التي تنسجم مع طبيعة جميع افراد البشرية، ولذلك نرى المسلمين حقا يشجّعون ابناءهم على الانطلاق والتحرّك؛ الأمر الذي يجعل الإبن لايشعر وهو في المعتقل بوخز الضمير، والندم لعلمه. ان اهله يقدرون موقفه، ويذكرونه بالدعاء لهدوماً.

اما الرساليون الذين يعيشون في بلدان المهجر فان اهاليهم لايشعرون بحرج -بدورهم- لعلمهم ان ابناءهم قد ذهبوا لأداء مهام رسالية. وانهم بذلك يدفعون ثمن الجنة، لأنهم يتحملون مسؤولياتهم الرسالية. اما الزوجة او الأم فانها تتحمّل مسوؤلياتها عبر تربية الاولاد، والقيام بمهام البيت.

ان الروح الرسالية لبعض النساء كان لها الأثر الكبير، في الدور الذي أداه الائمة عليهم السلام على مدى التاريخ. فعلى سبيل المثال فان الامام موسى بن جعفر عليه السلام -شأنه في ذلك شأن سائر العترة الطاهرة- شبّ على اجواء التحرّك في سبيل الله عز وجل، علىالرغم من كونه اكثر الأئمة عيالا، وبالرغم من تكالب المشاكل السياسية عليه، وبالرغم -وهو الأهم- من ان كبريات المصائب والبلايا قد توالت عليه الا وهي مصيبة السجن؛ فلقد انصرم عمره الشريف متنقّلاً بين معتقلات وسجون العباسيين غير شاك ولامتذمر. فلقد رضي بالسجن محرابـاً للعبادة، والتقرب الى الله تعالى.

وفي غمرة هذه المراحل الحرجة المتأزمة التي مرّ بها هذا الامام الصابر، لم نسمع يوما ان زوجة من زوجاته قد اعترضت مسيرته الجهادية هذه، بل ان كلا من زوجاته وبناته واولاده واقاربه كانوا ملتزمين بخطه، وسائرين على هداه. وهذا ما تؤكّده لنا احاديثه عليه السلام وأدعيته التي لم يذكر فيها قط ولم يشر الى تململ من ضغط عائلي، أو تضجّر مما قد يعانيه اهله من مرارات الفراق بعده.

والسبب في ذلك ان التربية الاسلامية علّمت المرأة كيف تقوم وتنهض بأعباء المسؤولية كاملة، دون اظهار أية بوادر للجزع، وامارات للضعف.

وهكذا الحـال بالنسبـة الى الامام الحسين عليه السلام، فقـد كان هـو واهل بيته يمثّلون قمة الفضائل والمكارم. وقد تجلت هذه الصفات الاخلاقية السامية بشكلٍ جلي إبان ملحمة عاشوراء.

وموقف بطلة الطّف السيدة زينب عليها السلام في ليلة الحادي عشر، وهي تشير الى جثمان اخيها الشهيد قائلة: ربنا تقبّل هذا القربان من آل محمد صلى الله عليه وآله؛ هذا الموقف هو اوضح دليل على ذوبان اهل البيت في العقيدة الاسلامية. والادوار التي ملأت بها هذه المرأة الشجاعة اطار ملحمة كربلاء، هي اكثر من ان تحصى او توصف بكلام.

وهكذا الحال بالنسبة الى جميع نساء أهل البيت عليهم السلام في كربلاء، فقد كنّ القلعة المنيعة للثلّة المؤمنة التي نزلت الساحة الدموية المحتدمة لاتلوي على شيء، لعلمها ان هناك وراءها زوجات وامهات واخوات، بل وحتى اطفالا هم في مستوى التحدّي، بل وارفع واسمى منه، لايرتضون لهم العودة إلا بالشهادة. فكانوا يتواثبون بقلوب مؤمنة، ويهرعون الى القتال بشوق، وهم موقنون انهم قد خلّفوا وراءهم اهلا لايتململون من آلام الأسر، ولا تحرفهم مرارة الآلام عن جادة الحق والصواب.

نعـم؛ فهذه هـي حالـة الشموليـة فـي الاسـلام، والتي تعني قيـام كل انسان مسلم بدوره الاولي في الدفـاع عن حريم الرسالة ونصرة المجاهدين. الأمر الذي يجعل كل فرد من افراد المجتمع الاسلامي بأنه يندفع و ينطلق من نفس المبدأ، الذي ينطلق منه الرساليون، ويجعلذات الفكر والقيم والتوجهات الاسلامية التي يحملونها والتي تحدو بأي شاب مسلم ان يتحرك من بلد الى آخر، حتى وان تعرض للصعوبات والمشاكل.. وهذه التوجهات والقيم والمبادئ والاوامر الالهية هي التي تنفخ روح النهضة في زوجته أو أمه أو أخته، وتحرضها على الصمود فيوجه المشاكل، وتدفعها الى القيام بأدوار اساسية في العمل في سبيل الله تبارك وتعالى.

واليوم علينا ان نعرف ان العدو استطاع ان يكتشف هذه الميزة المهمة للرساليين. فالاستعمار يستخدم وبصورة مجزأة قوة الجماهير ومن مختلف القطاعات في سبيل دعم قوّته الشيطانية، ومن ضمن هذه القطاعات القطاع النسوي.

ومن هذا المنطلق فقد عمدت الانظمة والحكومات العميلة المعادية للصحوة الاسلامية الى تعبئة الطاقات النسويّة، وصبّ هذه الطاقات في مجالات لاتخدم بأي حال من الاحوال الرسالة الاسلامية. فقاموا بتأسيس الاتحادات النسويّة التي هي في الحقيقة بؤرة موبوءة بانواعالمفاسد الاجتماعية، وتضمّ بين طيّاتها مجموعة من النساء اللواتي ليس لهنّ أية علاقة بالقضايا الالهية.

وبعـد تركيـز العمـل، وتعبئـة الطاقـات دخل قسم كبير من النساء المسلمات في هذه الاتحادات طوعا وكرها. وقد راحت بعضـهن يدافعن عن الانظمة الجاهلية، ويسندن الباطل..

والسبب في ذلك ان الجاهليين المجرّدين من الافكار الالهية الاصيلة، اخذوا بزمام المبادرة وعملوا على تثبيت مواقفهم.. اما الاسلاميون فقد تراجعوا وتلكّأوا وتقاعسوا، وحاولوا ان يقنعوا المرأة بأن البيت هو افضل مكان لها، ورضت هي بدورها بقرار لم يكن لها ايّيد في اصداره.

ونتيجة لتلك الجهود التي بذلتها الحكومات والانظمة المعادية للاسلام، والمتمثلة في إلهاء المرأة، واقحامها في مجالات غير تلك التي عيّنها لها الله سبحانه وتعالى. فقد انشغلت عن ادارة شؤون البيت، والقيام بمسؤوليتها المتمثلة في دعم مسيرة الرجل الرسالية، لتنهمك في الأمور التافهة من قبيل الجري وراء الكماليّات، والحياة المرفّهة. وهي في هذا المجال لايهمّها من اين يحصل الزوج على الأموال التي تؤمن تلك الاحتياجات الكاذبة.

ومن المؤسف ان نرى هذه الظاهرة منتشرة عند بعض الاخوة الرساليين. فقد كان الواحد منهم يفكّر في كيفية القيام بالمشاريع الجهادية، اما الآن فانه اصبح يفكّر في كيفية الخروج مع زوجته للتنزّه والترفيه، أو أن يفكّر في كيفية تلبية رغبات زوجته وتهيئة وسائل الرفاه والرخاء لها!

ان على المرأة التي تمارس على زوجها شتى انواع الضغوط، ان تفكّر بان له طاقة محدودة لايمكن ان تدوم من اجل تحقيق طلباتها الخيالية؛ وعليها ان تدرك ايضاً انه لايستطيع ان يوفّق بين مهامه الرسالية، ومشاغل البيت بشكل كامل. فالحياة تكتنفها الصعوبات، وخصوصاًبالنسبة الى المجاهدين والمهاجرين الذين يريدون ان يطوّروا المسيرة الجهادية، ويعطوا من انفسهم الكثير.

ومن هنا اذا ما أرادت المرأة ان تقدم العون لزوجها العامل في سبيل الله، فعليها ان تتبع اسلوب التقشّف والاقتصاد في حياتها، لكي تسهم بذلك في تخفيف الضغط المعاشي على زوجها.

فالمرأة انما تعتبر زاهدة اذا عرفت كيف تدير البيت، وتدبّر امور المعيشة، دون ان تجعل الرجل محتاجا الى القيام بأعباء هذه الامور لوحده اما اذا فعلت العكس، فلن تكون -عندئذ- تلك المرأة الزاهدة المتقية.

ولا يغيب عنا؛ ان وجود النساء الميّالات الى البذخ والترف لايدعن رجال الأمة ان يساهموا في بناء كيانهم الرسالي، ويسلبن منهم تطلعاتهم في الاعمار..

وعلى هذا يجب تكثيف الجهود والتوجهات حيال القطاع النسوي من المجتمع؛ سواء كان متمثلاً بالأم أو الزوجة أو الأخت أو البنت.. وذلك من خلال تزويد هذا القطاع بالتربية الاسلامية، وتركيز الأفكار والرؤى الرسالية في.. كل ذلك لأجل أن يتمتع النصف الثاني من المجتمع بالوعي والنباهة، وبذلك لا يفقد دوره في مسيرة نهوض الأمة وتقدمها.




فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب