فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
أسوة حسنة
وللمرأة المسلمة اسوة حسنة، في تلك المرأة البطلة التي كانت تشجع زوجها (وهب) قائلة له: "قاتل دون الطيّبين". وكذلك (الخنساء) الشاعرة المعروفة التي دفعت بابنائها الأربعة الى سوح الجهاد، فاذا بهم يقتلون جميعا دون ان تذرف عليهم دمعة واحدة، فيحين انها بكت اخاها صخرا أربعين سنة في الجاهلية. ولما سئلت عن ذلك، قالت: ان اخي مات على الكفر فهو في النار، ولذلك بكيت عليه. اما اولادي فقد ذهبوا الى الجنة، فلماذا ابكي عليهم؟

وفي الحقيقة فان المرأة الفاعلة، الحاضرة، الشاهدة والشهيدة، هي التي صنعت تلك الانتصارات. وصدق من قال: "وراء كل رجل عظيم امرأة".

وبلا أي منافس جُعلت فاطمة الزهراء سلام الله عليها قمة كل اسوة في عالم المرأة والاحاديث والنصوص الواردة فيها اوضحت ذلك، فكانت مدرسة لكل امرأة في حياتها. فهذه المرأة العظيمة جسّدت الوحي بكلّ ابعاده، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيها: "فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن غاظها فقد غاظني ومن سرها فقد سرني"([4]) "ان الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضي لرضاها"([5]). ومثل هذه الاحاديث وغيرها تدل دلالةواضحة على ان هذه المرأة كانت تطبق الاسلام، وتجسّد تعاليم الرب في كلّ خطواتها وافعالها.

ان رسول الله صلى الله عليه وآله الذي جعله الله تعالى مربّياً للأمة الاسلامية، قد صبّ اهتمامه على هذه الشخصية العظيمة، وصاغ بيده الكريمة واشرافه المباشر هذه الشخصية الفذة ليجعلها قدوة للنساء. فقال: ".. ابنتي فاطمة وانها سيدة نساء العالمين. فقيل: يا رسول الله هي سيدة نساء عالمها؟ فقال: ذاك لمريم بنت عمران، فأما ابنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين.."([6]).

وباجماع الرواة من كلّ الفرق الاسلامية، كان رسول الله صلى الله عليه وآله "يجيء كل يوم عند صلاة الفجر حتى يأتي باب علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فيقول: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: وعليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. ثم يأخذ بعضادتي الباب ويقول: الصلاة الصلاة يرحمكم الله ((انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)). فلم يزل يفعل ذلك كل يوم اذا شهد المدينة حتى فارق الدنيا. وقال أبو الحمراء خادم النبي صلي الله عليه وآله: انا شهدته يفعل ذلك"([7]).

وقد سمّيت فاطمة بـ (الزهراء) لانها كانت تقف كل ليلة في محرابها تتعبّد لله عز وجل، وتتبتّل اليه فتزهر لملائكة السماء كما تزهر النجوم لأهل الارض. وكانت تدعو للمسلمين من أول الليل حتى الصباح، وتدعو لجيرانها، وللفقراء والمستضعفين والمحرومين.. وعندما يهلّ الصباح يسألها ابنها الامام الحسن عليه السلام قائلاً: أماه! أراك قـد دعـوت لكلّ الناس، ولكنّك لم تذكرينـا في دعائـك؟ فتقـول: "يابنيّ؛ الجار ثم الدار"([8]).

ومع ذلك فقد كانت عليها السلام حاضرة في المواقف السياسية، والحوادث العسكرية، والقضايا الدينية والثقافية.. فكانت تمثّل المرأة المسلمة التي ينبغي ان تكون شاهدة على عصرها، لكي تساهم في تقرير مصير الأمة، وترفض الانحراف، والشرك والضلالة، وكلّ انواع الكفر والنفاق والفسوق.

ان فاطمة عليها السلام يجب ان تكون قدوة لنسائنا اليوم، ولبناتنا وفتياتنا. والحمد لله على هدايته لجيل من الفتيات المسلمات في العالم الاسلاميّ، فنحن نجد الآن ان المرأة المسلمة هي أحسن مما كانت عليه سابقا؛ فهي تتواجد في المساجد، وتشترك في المجالس الدينية، وتساهم في اعمال الخير والاحسان، بل اننا نجد بعض النساء يقتحمن ميادين الجهاد، ويحملن السلاح دفاعا عن حريم الاسلام.

ومع ذلك فان المسافة ماتزال شاسعة بين المرأة وبين الخندق الحـقيقي الـذي ينبغي عليها ان تتواجـد فيـه، وما يـزال عـلى المرأة ان تقطع هذه المسافة لتكون بالفعل شاهدة على عصرها.

ولا ريب؛ لولا غياب أمتنا الإسلامية عن فرائضها الرسالية، ولولا انّها لم تجعل نفسها شاهدة على عصرها، لما حلّت بنا هذه المصائب، ولما استضعفتنا القوى الجاهلية في الارض، ولما اعدموا خيرة شبابنا، ولماتجرأ الحكام العملاء على ان يفعلوا ما فعلوا، ويرتكبوا ما ارتكبوه..

من هنا يجدر بنا ان نساهم في قيادة الارض. فالارض لله يـورثها مـن يشاء من عباده الصالحين، فأين هم عباد الله الصالحون،ولماذا لايتقدّمون باقدام ثابتة لكي يأخذوا بزمام امور العالم من هؤلاء الذين يدفعون به الى الهاوية؟




فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب