فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
المرأة المؤمنة تقهر التحديات ورغم سيطرة هذه الصورة القاتمة، فإن التعبير القرآني البارع نزل ليؤكد عظمة المرأة إذا ما أرادت تحدي الظروف الظالمة. فأم مريم انتقلت بطموحها من مجرد أن تكون ابنتها خادمة لدين اللـه ومسجده الى أن تكون هذه البنت وذريتها اللاحقة مـن البعيديـن عن الشيطانوجنوده وأباطيلهم، لتتحول الوليدة الى صديقة على درجة عـالية للغاية من الايمان والوعي والتقوى.
وهذا لعمرى أعلى ما يمكن أن يطمـح الانسان الى بلوغه، فضلاً عنكونه رجلاً أو امرأة. وهذا يعني بالتالي أن من يصرّ على احتقار أو استضعاف المرأة عملياً، إنما هو في الواقع بعيد كل البعد عن حقيقة إرادة السماء. وفي سلوكه الشائن هذا، يعمل على تكريس عادة جاهلية جاء الاسلام لمحقها. وهذه الأديان السماوية، إنما قامت بجهد كبير بذلته نساء عظيمات كأم موسى واخته وزوجة عمران وبنتها مريم وخديجة الكبرى وبنتها فاطمة الزهراء سلام الله عليهن جميعاً. فهذه أوعية اصفاها الله لتحمل أنواره وكلماته، وليس هذا بالأمر البسيط أبداً.
والى هنا كان دور الام دوراً ممتازاً بما اختزل من بصيرة ووعي فائقين، ولكن الأعظم منه أن الله سبحانه وتعالى تقبل النذر واستجاب الدعاء بأروع ما يكون القبول، وأقدس ما تكون الاستجابة. فالام التي تجاوزت عاطفتها تجاه ابنتها، واهتمت بالدين اكثر مـن اهتمامهـا بذاتهـا، اتحفهـا اللـه بالقبول الحسن، حيث يقول تعالى: { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} (آل عمران/37).
فهذه البنت المحـاطة بالايمان، ووعي التقرب الى الله تبارك وتعـالى، كانت حرية أن تنبت النبات الحسن.
ثم قال ربنا عز وجل: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} (آل عمران/37) قد اختار الله تعالى النبي زكريا عليه السلام ليكفل مريم عليها السلام، من بين جميع من امتحن نصيبه في التشرف بكفالة الصديقة الصغيرة مريم.
ثم إن سيرة مريم ودرجة إيمانها أذهلت النبي زكريا الذي كان يرعاهـاويحافظ عليها، وكثيراً ما سألها عما لديها من رزق كان من المفترض ان يوفره لها.. وكانت تجيبه بان ما لديها من عند الله وليس سواه. {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ...} (آل عمران/37).
مريم معلمة للنبي زكريا !؟
لم يتنبه النبي العظيم الى أن الطفلة الصغيرة تحولت بفعل منبتها الحسن وإيمانهـا العميـق الى معلمة له؛ وسواء كان الطعام والرزق الذي كان بين يديها قد نزل اليها من السماء مباشرة أو بواسطة إنسان ساقه الله اليها على غيبة من النبي زكريا. فانها كانت تعتقدبرسوخ ثابت أنه من عند الله، ولم يكن إيمانها ليسمح لها أن تحتمل احتمالاً آخر. فالله يرزق من يشاء بغير حساب، بعيداً عن الموازين المادية ومعادلات التجارة المعروفة بين بني البشر.
{ هُنَالِكَ دَعـَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ} (آل عمران/38).
فبعد مدة ليست بالقصيرة، فوجئ النبي زكريا الذي كان لم يرزق الذرية بعد، بحقيقة واقعة؛ وبأنه من الحريّ به جداً أن يقلد مريم في إيمانها، إذ أن من يرزق طفلة صغيرة معتكفة في محرابها لقادر على أن يمنحه الذرية بعد مديد من العمر...
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|