فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
عن التربية
دور الأم في التربية



لقد استطاعت عواصف التضليل الثقافي - مع شديد الأسف - اجتياح معتقدات شعوبنا وتقاليدها. ففي كل يوم تواجهنا تقليعة جديدة واسلوب جديد ووسيلة جديدة. فإن كانت محطات التلفزة الموجّهة إلينا مائة محطة في السنة الماضية، فهي اليوم قد تضاعفت. وإذا كان انتشار الانترنت في الأمس بسيطاً، فهو اليوم هائل.

إن استراتيجية تحويل العالم برمّته الى عالم صغير، أو ما يسمّى بين المثقفين بسياسة العولمة، حيث تحذف الحواجز والفوارق، هذه الاستراتيجية لايكمن وراءها سوى إخضاع الشعوب، او تحطيم الخصوصيات التي تمتاز بها الأم المستضعفة، وتهميش دينها وثقافتها الأصلية.
وبالفعل فقد نجحت هذه الاستراتيجية الى حدّ كبير في الزحف والسيطرة واستلاب ما تبقى لدينا من قيم روحيّة واهتمامات معنوية.

أقول - وبكل تألّم-: إنّ الانباء التي تواجهني فيمـا يخصّ هذا البلدالمسلم او ذاك مزعجة للغاية، حيث أرى وأسمع كيف تمكنت شبكات الأقمار الصناعية الغربية من جذب المشاهدين -وهم عدد كبير جداً- وهي تغروهم في عقر دارهم بأفلام الرذيلة والانحطاط الفكري والخلقي، وليس من سرِّ اكشفه إذا ما قلت بأن تلك الأفلام والبرامج تعمّ الصغير قبل الكبير، والشاب قبل الكهل، حتى أصبح أطفالنا مدمني غناءٍ وموسيقي، فاستعاضوا بهما عن قراءة القرآن ومطالعة سنّة أهل البيت عليهم السلام...

والآن حيث تلمّسنا شيئاً من واقعنا المرير، فعلى عاتق من مسؤولية هذه الهزيمة الاخلاقية والروحية النكراء؟

والجواب لايعدو عن القول، بأن الجميع ولكن بدرجات متفاوتة. فحكّام الشعـوب المسلمة مسؤولون، والشعوب برجالها ونسائها مسؤولة هي الأخرى، والوالدان مسؤولان عن اولادهما، والأخ مسؤول، والاخت مسؤولة، والأولاد بدورهم مسؤولون.

ولكن لمّا كان إطار بحثنا يختصّ بالتربية، ولمّا كان البيت ونطاق الاسرة ومستوى تأثير الأمّ المتوقّع على اطفالها، آخر ما تبقّى من وسائل في التربية - وإن كان أهمها- فإنني احمل الام المسؤولة أولاً.

فإن نظرت الأمهات الى اطفالهنّ وقد كبروا وأصبحوا رجالاً بعد عشرين عاماً مثلاً، وهم على ماهم عليه من تأثر بليع بثقافة الانحطاط المحيطة بهم، فماذا سيكون جوابهنّ أمام محكمة التأريخ؟ بل الأحرى التساؤل عن طبيعة موقفهنّ أمام محكمة العدالة الإلهية يوم القيامة، حيث يواجههنّ جيلهنّ بتهمة التفريط والتقصير في فريضة التربية السليمة، وهنّ على الأقل كنّ قادرات نعلى منع أجهزة الانحراف والثقافة المائعة دون الدخول الى بيوتهنّ.

الواقع المشهود أنّ اهتمام الأمهات - بصورة عامة- منصب على توفير أفضل ما يمكن من طعام للأطفال، وأنهنّ يعانين ما يعانيين إذا ما اُصيب احدهم بعلّة او وجع خفيف في جسمه.. في حين انّ هذا الأمر إذا كان ملحّاً، فإنّ الأمر الأكثر الحاحاً هو الاهتمام والعنايةبروح الطفل وعقله، إذ من الخطأ الفادح تصور الأطفال دون عاطفة او عقل. فالطفل يؤهله استعداده الى تلقي التربية واستيعاب التعليم منذ احتضان المهد إيّاه، كما أكدت ذلك روايات أهل البيت عليهم السلام الخاصّة بالتربية وطلب العم، حتى قال رسول الله صلى الله عليهوآله وآله وسلّم: "اطلب العلم من المهد الى اللحد". وهذا القول الشريف ليس إلاّ دعوة صريحة للآباء والأمهات لطلب العلم والتربية للأولاد منذ وقت مبكّر للغاية.

إنّ الخيار الوحيد المتاح لمواجهة تيارات الانحراف هو خيار التربية الأسرية، فمراكز التوجيه الاستراتيجي في الغرب قد سلبتنا كل شيء، بدءً بالمدرسة والصحيفة والمحطات المرئية والمسموعة، وانتهاءً بأجهزة التوجيه الحديثة حيث الحاسوب وآليات الاستفادة منه.. كلّها أخذوها منّا ولم يتبقّ لدينا سوى التربية البيئية، وقد يأتي يوم من الأيام فيسلبونا حتى هذا المتبقى كما هو حادث في بلدانهم هم، حيث تتدخل تلكم المراكز في كلّ صغيرة وكبيرة في حياة العائلة الغربية لتوجه أطفالها كما يحلو لها، ساعية الى تعميق الهوة ما أمكن بين الطفل ووالديه.

ولكن ماهي الخطوط العريضة التي ينبغي لأم المسلمة الالتزام بها مبدئياً على صعيد التربية؟

الخطر الأول: أن تنهض الأم بمستواها الثقافي هي قبل كلّ شيء. فمادامت جاهلة بالتعاليم والقيم الدينية ستبقى عاجزة عن التربية والعطاء، إذ أنّ فاقد الشيء لايعطيه. ومن الممكن التأكيد على أنّ ايجاد مراكز علمية متخصصة بهذا الشأن. سيكون له الدور الكبير في انجاز هذه المهمة، وأمّا الأمهات اللاّتي لايستطعن الحضور في مثل هذه المراكز، فبأمكانهن الاطلاع ودراسة العلوم الدينية والتربوية عبر أشرطة الكاسيت دراسة منزلية.

ثم إن إشراك الإطفال في الحضور مع أمهاتهم وآبائهم في مجالس الوعظ الديني والعلمي، هو الآخر له أثر كبير في صياغة شخصية الطفل وترسيخ قول الخير في ذاكرته، حتى تكون رصيداً غنيّاً ينعكس على سلوكياته ومعتقداته في المستقبل.

ولقد اتذكر جيداً أنّ جدي المرحوم آية الله العظمى السيد مهدى الشيرازي، وكان احد مراجع الدين الكبار في زمانه، نقل لي أنّ والدته كانت تنهض لأداء صلاة الليل فتجلسه على سجادة الصلاة معها لمجرّد ان ينظر اليها تصلّي، حتى أنه تعوّد على هذا المنظر المقدّس.
فكان مواظباً على أداء صلاة الليل الى آخر يوم من عمره الشريف، بل لم تكن لديه القدرة على تركها.

وهذا يعني - فيما يعني- أنّ التربية والتوجيه لايشترط فيها ألاّ تكون إلاّ بالقول، فممارسات الأبوين لها الأثر الأكبر في تكريس قناعات الإنسان واعتقاداته وسلوكياته. وهذا بدوره يمثل خطّاً ثانياً من خطوط التربية.

والخط الثالث: تطهير الجو المنزلي واضفاء القدسية عليه، وتجنيب الأطفال كلّ ما من شأنه تدنيس أرواحهم وعواطفهم الشفافة. فالبيت يجب ان يتحول الى محطٍّ للملائكة، بدلاً ان يكون وكراً للشياطين.

ان الأجدر بمكان أن يكوّن محـور العائلة وكبيرها، جلسات العلم وقراءة القرآن، لا الانسياق مع التلفزيون وبرامجـه التي تعود بالضـرر - في أغلب الأحيان-. وما أروع ان يخصص الآباء والأمهات من اوقاتهم قسماً كبيراً لنقل قصص الأنبياء وأهل البيت والصالحين من أولياء الله على مسامع الأطفال. وذلك ضمن برنامج توجيهي متقن يتفاعل مع قابلية واستعداد الأطفال الذهني والروحي. وما أروع ان نستعيض عن صور الممثلين والممثلات السينمائيين وصور لاعبي كرة القدم بصور العلماء الأفاضل. بل ماذا يربط الطفل المسلم بلاعب لكرة القدميربح الملايين ويتنعم في حياته بمختلف الأشكال، وهذا الطفل يأنّ فقراً روحياً ومادياً ومستقبلياً؟ وماذا يربط أطفالنا بممثلة او مغنية لاتجد حرجاً بعرض والديها من شرف وحشمة أمام انظار الملايين من المشاهدين لكسب شيء من المال والشهرة؟

ومما يمكن ان أرويه لك في هذا المجال، أن السيد حسن الشهرستاني صاحب كتاب المنتخب الحسني استطاع الى حد كبير في الابداع والنجاح في هذا المجال، حيث حول هذا الرجل بيته الى بيت الملائكـة، إذ كان بيته يحوي عدة طوابق يقطن فيها اولاده المتزوجين وبناته المتزوجات وكان قد وزّع مكبرات وناقلات الصوت على زوايا البيت، فكان يبدأ بقراءة القرآن الكريم في وقت السحر، ليستيقظ الكبار والصغار على صوت كبير عائلتهم ليؤمّهم في صلاة الصبح. وعود ابنـاءه على اداء النوافـل من الصلوات، ومداومة قراءة الادعيـة والزيـارات..

إن الرحمة والبركة إنما تتنزّل على بيت مفعم بروح الايمان والقرآن والمحبّة والعواطف النبية، لا على بيت يضجّ باصوات الفسق والانشغال بتوافه الأمور الدنيوية، ولقد صدق الله العلي العظيم حيث قال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}(طه/124).

ويغفل كثير من الناس عن السبب الحقيقي وراء قلقلهم النفسي الدائم وتعب أجسادهم، إذ ما ان تسأل الواحد منهم عن علة عدم اهتمامـه بأولاده، حتى يجيبك بأنه لا مجال لديه، أو أنّه تعب روحياً وجسدياً، ولكنّ الحقيقة تؤكد بأنّ انشراح نفسية الإنسان المسلم لاتكونإلاّ بالاتصـال مع القـرآن الكريم والالتزام بتعاليم الديـن والايمـان.

أما الخط الرابـع؛ فهو تربيـة الأطفال على حب الآخرين والرغبة في فعل الخير لهم. فالطفل حيث يكون كائناً انانيـاً او يكره الآخريـن، لن يكـون إلاّ نموذجـاً للطغـاة الذيـن تربّـوا في احضان التكبّر والبغـض والظلم. فالأخلاق تنمو في ذات الإنسان، حتى تصبح جزءاً لايتجزأ منـه.

وأنا شخصياً حينما يخبرني الاصدقاء عن نجاحهم في انجاز مشروع خيري، أؤكد عليهم بضرورة الدعاء لآبائهم وامهاتهم ومن علّمهم حبّ الخير، فــروح التضحية والعطاء والجهاد، إنّما كانت تراثـاً انتقـل إليهم ممن علّمهـم.

فيا أيتها الأمّ؛ يا من وصلتي الى هذا المقام المقدّس الرفيع، أطالبك بما طالبك به الدين، أن تعملي عملاً يكون لك ذخراً صالحاً يوم المعاد، فاجعلي كلّ اهتمامك على غرس حب الآخرين في أطفالك، ليكون كلّ واحدٍ منهم نموذجاً اجتماعياً صالحاً يسعى الى بناء مجتمعه المؤمن السليم. فعلّمي أطفالكِ على حبّ زملائه في المدرسة، وعلميهم على حبّ أقاربهم..

إنّ تكريـس حبّ الآخرين وإسـداء الخير لهم يعتبر الخطوة الأساسيــةالأولى لاستراتيجية بعيدة المدى، تنتهي الى القضاء نهائيـاً على الأزمـات الانسانية والاقتصادية والسياسية التي يعاني منها المجتمع المسلم بصورة عامة. فلو كان التعاطف والتراحم متكرساً بين المسلمين كما هو المطلوب، هل حدث ما حدث من نكسات وهزائم وفجائع انسانية في العراق او افغانستان.. حيث الجوع والتشرد وتدمير الشخصية مثلاً؟

ولقد جاء في قصص الأنبياء أنّ نبياً -ولعله النبي يونس عليه السلام- أوحى الله له بأنه سيعذب قومه بسبب كفرهم في الوقت الفلاني. فانتظر هذا النبي العظيم حتى حلّ الوقت، فلم ير أية العذاب، فنادى ربّه متسائلاً عن السبب في عدم نزول العذاب، فأوحى الله له بأنه ضيّق عليهم ومنع عنهم المطر واجدب أرضهم فقلّت أرزاقهم، ولكنّهم أخذوا يتراحمون ويتعاونون فيما بينهم، ولمّا كنت أنا - الله - أرحم الراحمين فقد "بدا" لي عدم تعذيبهم وتدميرهم فرحمتهم...

ولتعلمي أطفالكِ، بالقول وبالفعل، بأنّ الإيثار وحب الآخرين ليس شرطه أن يكون ذا كمٍّ كبير، بل الأهم هو تكريس روح الإيثار والانفاق والعطاء والاحسان والاهتمام بالآخرين. وقد ورد عن المعصوم قوله الشريف: "انفقوا ولو نصف تمرة..." فصفة الانفاق والايثار ليست خاصّة بالأغنياء، بل العكس هو الصحيح، إذ كلّما ازداد الانسان غنىً كلما ازداد شحّاً إلاّ من عصمه الله.

ثم إنّ المرأة كزوجة مطالبة أيضاً بالوقوف وراء زوجهـا ودفعه بأداء واجباته المطلوبة تجاه ابناءه، حتى تتكامل عوامل تربية الطفـل ولا يحس بنقص ما في شخصيته، إذا ما تنبّه الى تغافل أبيه عنـه.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: "الجنة تحت أقدام الأمهات".

وأصاب من قال: وراء كل رجل عظيم امرأة.




فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب