فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
التقوى أساس التربية


للتقوى مفاهيم عديدة ومتنوعة؛ فمنها ماهو شخص، ومنها ماهو اجتماعي، ومنها ماهو حضاري وغير ذلك.

كما تأخذ التقوى اشكالاً وصور عديدة ومتنوعة ايضاً؛ كالعبادة، واحراز ملكة اجتناب المعاصي، والاستعداد لأداء الحسنات..

وبين هذا وذاك؛ فإنّ مقياس صلاح الانسان وفساده إنّما هو التقوى لا غير. فنيّة المرء وهمته وعزمه هو الذي يحدد سلوكيته ويعين مصيره، وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } (المائدة/27). فالتقوى هي ميزانقبول الاعمال.

ولما كان الله تبارك وتعالى قد قال: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (البقرة/197) لنا أن نتساءل عن هذا التزوّد، ولمن يكون، وكيف يكون؟

فالواقف موقف عرفة - وهو القمّة في القرب من الله ومبدأ غفرانالذنوب ومضاعفة الحسنات- هل يتزوّد لنفسه بالتقوى فحسب؟ ام أنّه مكلّف بحمل هذا الزاد المقدس للآخرين ايضاً؟ ومن هم يا ترى هؤلاء الآخرون؟

من الطبيعي والجدير بمكان أنّه مكلّف بالتزوّد لنفسه قبل كل شيء، ومن الطبيعي ايضاً ان يكون مكلّفاً بالتزوّد للآخرين، لأن الانسان ليس شأنه الاعتزال عنهم، لاسيما وأنّ الدين الاسلامي قد أمر المسلم بنبذ الأنانية وحبّ الذات. ولما كان القرآن المجيد قال: {وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة/180) فقد اصبح على المرء طلب التقوى والخير للأقربين، وفي مقدمتهم الأولاد واجباً محتوماً.

إنّ الأب والأم مدعوّان الى التزوّد بالتقوى في موسم الحج مثلاً لا إلى أنفسهما فحسب، وإنّما ينبغي لهما التزوّد لمن خلّفاه في بلادهما وهم الأولاد، بل وأكثر من ذلك؛ فليتزود الوالدان بالتقوى والفضيلة للأولاد في الأصلاب والأرحام، لتتواصل سلالة العائلة المسلمة المؤمنة بطناً بعد بطن، وجيلاً بعد جيل في أجواء الدين، وللحيلولة دون وقوع كارثة التعرب بعد الهجرة كما يحدث - وللأسف- لبعض المسلمين ممن هاجر الى بلاد الغرب، حيث بلغ الأمر بردّتهم الى تسمية أولادهم بأسماء اجنبية غريبة بعيدة عن تأريخ وواقع عائلاتهم،فضلاً عن حدوث الردّة الفعلية في معتقداتهم وممارساتهم اليومية التي يخجل المرء من التطرق الى الخوض فيها ...

إنّ طالب التقوى والايمان حريٌّ به ألاّ يطلبهما لنفسه فقط، بل ليجعل كل همّه ان يتفضل الله تبارك وتعالى عليه، فيربي أولاده واخوانه والآخرين عموماً وفق أصول التقوى والايمان. وهذا يعني انّ طالب التقوى والايمان يجب ان يكون ذا أفقٍ واسع يتفاعل مع مستوى وعيه المطلوب بالأحداث من حوله، فيكون عزمه وإصراره على درجة عالية يتمكّن من خلالها إثبات وجوده كمؤمن، فيحقق لمعتقداته الانتصار والنجاح على كل ما تتعرض له من مؤامرات ثقافية وعلمية شيطانية صادرة عن دول الغرب المستعمرة؛ المؤامرات التي لم تُحك إلاّ لسرقة العقل المسلم لجيلنا الحاضر والآتي، كأسلوب شيطاني لضمان المصالح الاستراتيجية الغربية في اوطاننا المسلمة.

واثنـاء عملية الغزو الثقافي التي تقودها شبكات التلفـزة الفضائيــة -حيث الميوعة والفساد- بمعيّة الصحف التي تصدر عن جهات معروفة، لا تهدف إلاّ تحويل الاهتمامات الانسانية والدينية لعقل المسلم الى اهتمامات مادية ودنيوية بحتة، فتسلخ المرء عن حقيقة وجودهفي الدنيا، في ظل هذه الهجمة الثقافية، نجد ان كثيراً من بلداننا المسلمة قد أصبحت محطات مهمة لتجارة المخدرات وتعاطيها. وإزاء ذلك كله، لابد من العمل على توفير عوامل مضادة لافشال هذه المؤامرة. ومن المؤكد ان يكون عامل تصليب قاعدة الأسرة وصيانة أجوائها في مقدمة تلكم العوامل.

وعلى المرأة الأم التفكير الجدي في مصير ذريتها، وذرية ذريتها، ذلك لأن المؤامرة الشيطانية المشار اليها اخذت على عاتقها سرفة الشخصية المسلمة التي ستولد بعد عقود زمنية عديدة وبعيدة.

إنّ اهتمام الأم بالطفل منذ نعومة أظفاره يعني ضرورة وعيها بأنّ إعداد طعام لذيد للزوج او السهر على حمّى بسيطة قد تصيب الطفل، أقلّ أهمية بدرجات من ضرورة سلامة الطفل العقلية والثقافية والدينية بشكل عام، إذ بالدين وحده يمكن الحصول على خير الدنيا والآخرةوبالصورة المطلوبة.

ولكن أن تذهب الأم الى المطبخ وتُشاغل أطفالها بجهاز الفيديو وأفلام الصور المتحركة والأغاني والموسيقى، غافلة أو متغافلة عن مدى التأثير السلبي لهذا الجهاز على شخصية الطفل وتكوينه، فإنّ ذلك يعدّ حماقة مابعدها حماقة، بل الأجدر القول بأنّ ذلك يعد خيانة عظمى ترتكبها الأم بحقّ أطفالها، وهي تتحمل كل المسؤولية أمام القضاء الإلهي في يوم القيامة.

فلتجعل الأم بدلاً عن الغناء -مثلاً- جهاز التسجيل ليبث صوت القرآن بصورة التأهيل والتعليم لأولادها، حتى تتعود آذانهم على سماع كلام الله.

وبكلمة ثانية؛ أؤكد أنّ وظيفة الأمّ الاساسية تجاه أولادها الصغار، خلــق أجـواء ايمانية طيّبـة تحملهم على الأنـس والرغبة في الركون الىالديـن والإيمـان.

ومن الممكن ايضاً الاستفادة من فرص التزاور العائلي خلال أيام الجمع والعطل، وجعلها مدرسة كبيرة للعائلة، حيث يجمع الأطفال وتلقى عليهم الدروس وقصص التأريخ الاسلامي..

وليعلم الآباء والأمهات أنّ اطفالهم حتى سنّ السابعة من العمر يكونون أحراراً اكثر من غيرهم، فليستغلوا هذه الفرصة التي لاتعوض بإدخالهم في مؤسسات تهتم بتحفيظ القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، ولن يضيع ما يصرفه الوالدان من مال في هذا المجالسدىً أبداً، إذ أنهم بخطوتهم المباركة هذه يضعون حجر الأساس الراسخ في بناء شخصية أطفالهم.




فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب