فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
*موقف الفقهاء من الاجـــماع:
ولذلك نجد طائفة من الفقهاء لا يعتمدون على الاجماع كثيرا، بل يعتبرونه واحدا من الادلة التي قد يعارض به ما هو اقوى منه مثل ظاهر الكتاب او اخبار الثقة او حتى اصل معتبر.
وقد عقد المحقق الكاظمي في كتابه ( كشف القناع عن وجوه حجية الاجماع)، عقد فصلاً حول مدى اعتماد الفقهاء السابقين على الاجماع المنقول فقال: في مستهل هذا الفصل و بعد ان ذكر ان شيخ الطائفة ( الطوسي) لم يكن يعتمد على الاجماعات المنقولة، و استشهد على ذلك ببعض فتاويه و اقواله قال: هذا كله فيما يتعلق بمذهب الشيخ الذي هو المؤسس لاحكام الاجماع و اخبار الآحاد، واما الباقون من اتباعه ومن المتاخرين عنه الى زمان ابن ادريس، ثم منه الى زمان الفاضلين ( المحقق الحلي و العلامة الحلي) فحالهم يعرف غالبا من حاله، وهؤلاء قد كثر في ازمتهم الاجماعات المنقولة في كتب من قبلهم اكثر مما كان في زمان الشيخ حتى انه قلما يتفق مسألة نظرية الا وفيها اجماع او إجماعات في كتب المرتضى، و الشيخ ، و ابن زهرة، و ادريس و القاضي، و العماني، و الاسكافي، و الطبرسي.. ثم قال ، ومع ذلك لم اجد في كلام احد ممن وقفت على كتبهم ، ولا نقل عن احد منهم انه صرح بحجيته او اسند اليه في مقام الاستدلال او تفحص عنه و اعتنى بنقله كتفحصهم عن الاخبار و اعتناءهم بنقلها.
ثم سرد المحقق الكاظمي عشرات الامثلة التي تدل على عدم اعتناء الفقهاء السابقين كثيرا بالاجماعات المنقولة فقال: ولا بأس بان نذكر جملة وافية من عباراتهم في هذا الباب كي ترتفع عنك شوائب الارتياب، و تطلع على ما في الاجماعات المنقولة من الاختلاف و الاضطراب و تستعين بها على مطالب نافعة في كثير من الابواب..
فمنها ما يأتي اخيرا عن رسالة العصر في الرد على الشيخ (الطوسي) و ابن ادريس الحلي في دعوى الاجماع على المضايقة في القضاء، و عن ابن ادريس في القدح في بعض اجماعات الشيخ(الطوسي) ، عن ابن طاووس في القدح في اجماعات المرتضى، و عن جماعة من الفضلاء من اهل عصر ابن ادريس و غيره في القدح في اجماعاته ( أي اجماعات نقلها ابن ادريس (ره)).
ثم بدء يسرد موارد فتوى العلماء السابقين فيما يخالف الاجماعات المنقولة من غيرهم، أو حتى منهم انفسهم.
وبعد ان يسرد مئات الامثلة من اكثر كتب الفقه و ابوابه عبر مأة و خمسين صفحة يعود و يقول، و منهم (الفقهاء) الشهيد الثاني وولده و سبطه و اتباعهم ( ممن يسمون بمتأخر المتأخرين) الذين سلكوا مسالكهم و اقتفوا معالمهم و مداركهم و هم كثير من فضلاء المتأخرين و متأخريهم ، وهؤلاء طريقتهم في القدح في الاجماع المحصل المبتني على ماهو معروف و متداول بين من تقدم، و الطعن في الاجماع المنقول بمجرد وجدان خلاف ولو كان ممن تاخر و شذ وندر، ثم قال: فاذا و قفت على استدلال احد منهم بالاجماع المنقول او تصريح بحجيته في الفروع و الاصول، فلا يغرنك ذلك، فانه اما مبني على ماياتي بيانه، او على قصد التأييد و الالزام و المماشاة، او المسامحة لا على الاعتماد على مما لم يزالوا ينكرون حجيته و يمنعونه بلا اكتراث و لا مشاقة .
و هكذا نعرف ان الاجماع المنقول لم يكن في العصور المتقدمة دليلا بذاته و انما كان مؤيدا لسائر الادلة، و الذي يبدو لي ان منهج الفقهاء السابقين بل و كثير من المتاخرين ايضا، هو جمع الادلة الخاصة الى بعضها ثم الى مجمل القواعد العامة في الفقه وما ارتكز عندهم من مقاصد الشريعة و اهدافها، مما لا يمكن ضبطه ضمن قوالب جاهزة سلفا.. و انما يجب البحث في كل موضوعة بذاتها من دون تعميمات كاسحة او احكام مطلقة و هذا يؤيد ما سبق قوله عن ان علم الاصول متأخر نضجا من علم الفقه.
و لكن يبقى سؤال ، فلماذا (اذا) نجد فريقاً من الفقهاء المتأخرين لايزالون يعتمدون على الاجماع بل يجعلونه اطارا لفهم النصوص و حتى يصعب عليهم مخالفة المشهور خصوصا اذا كان الامر يتعلق بالقدماء؟ يجيب المحقق الكاظمي على ذلك بقوله:
لما انتهى الامر و بلغت النوبة الى جماعة من مشايخنا المعاصرين، وعلماءنا المعتمدين ( ثم يمضي في نعتهم بافضل النعوت و يقول: ) الا ان شدة حسن ظنهم بمتقدميهم، و مبالغتهم في تصديقهم في نقلهم و دعاويهم، وعدم استفصاءهم لكلماتهم فيما نحن فيه بحذافيرها، وقلة الاحاطة باقطارها و الخوض في غمارها، و كشف استارها و اسرارها اوقعتهم في الغفلة عما اشرنا اليه متفرقا و بيناه مفصلا مجتمعا ، و افضت بهم من حيث لا يعلمون الى ان حاولوا ترويج ما كان لدى من قبلهم كاسدا..
واضيف الى حسن الظن بالسلف، قلة الثقة بالذات، وبما ألهم الله الانسان من فطرة و عقل ووعي وما يوجد بيننا من كتاب ربنا، سنة نبينا و احاديث ائمتنا، فلو استفدنا من كل ذلك كانت حاجتنا الى الاجماع قليلة، ولابأس انئذ ان نضيفه الى سائر الادلة دون ان نجعله اطارا لفهمها، او عقبة في استفادة حكم او حكمة او علم منها، فان ذلك سيكون الغاء للعقل و هجرانا للكتاب . ونكرانا للسنة والاحاديث، و نعما فعل شيخ الطائفة (الطوسي) عندما خالف اجماعا منقولا ممن سبقه اعتمادا على ظاهر الكتاب، و بعض الاخبار ثم قال في مسألة عدم (ارث المجوسي بالسبب الفاسد) و الصحيح عندي انه يورث من جهة الامرين ( السبب و النسب الفاسد منهما و الصحيح ) و استدل على ذلك بخبر السكوني.
وقال: ( في تبرير مخالفته للاصحاب )
وما ذكره اصحابنا من خلاف ذلك ليس به اثر عن الصادقين ( عليهم السلام) ولا عليه دليل من ظاهر القران، بل انما قالوه لضرب من الاعتبار، و ذلك ( الاعتبار الذي لا يرقى الى مستوى الدليل ) مطروح بالاجماع.
و هكذا استند بالاجماع على رد الاجماع، فاجماع الطائفة قائم على نفي الاعتبارات في فهم الشريعة، ولذلك لايعبأ باجماعهم في رد ارث المجوسي بالسبب الفاسد، اعتمادا على اعتبار غير حجة.
ومن هنا نعرف: ان قلة الاعتماد على ظاهر الكتاب( والقواعد العامة فيه) او على الاحاديث الصحيحة (حتى العامة منها) وهكذا قلة الثقة بالعقل الذي يستوحي منهما الاحكام الخاصة، كل ذلك سبب من اسباب الجمود على رأي السابقين وعدم الشجاعة في مخالفته.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب