فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الثالث:بحوث في السنة
فور وفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طرحت فكرة لم تلبث طويلا حتى جرفتها معارضة عامة المسلمين ولكنها ظلت في اوساط بعض الخاصة، تظهر بصور شتى، الفكرة اختصرت في اشعار التالي: حسبنا كتاب الله.
وعلى اساس هذا الشعار منع الخليفة الثاني المسلمين من تناول احاديث الرسول او كتابتها ردحا من الزمن.
الا ان اسبابا ثلاثة غيرت المعادلة اولا ان الرسول كان عند المسلمين اكبر حبا وكرامة وتقديسا من الغاء احاديثه، ثانيا وما جاء في كتاب الله من التحريض على اتباعه وطاعته ثم ثالثا الحاجة المتزايدة الى احاديثه الشريفة، كل اولئك كانت عوامل جعلت جمهور المسلمين يعارضون شعار حسبنا كتاب الله.
[وهكذا حسم الموقف تاريخيا لصالح السنة، الإ أن فكرة الإستغناء عن السنة لم تمح بصورة نهائية، بل ظهرت في صورة التشكيك في (مدى) حجية السنة، أو في منهج الإستفادة منها.]
وهكذا اختلف الفقهاء الى مدرستين: مدرسة اهل الحديث (مالك) ومدرسة اهل الرأي(ابو حنيفة). وتباين موقف المدرستين كثيرا فبينما نجد البعض يتطرف في امر السنة فيرفض اكل بعض الفواكه لانه لايعرف بأية كيفية اكلها الرسول، نجد البعض الاخر يتساهل في امرها حتى قيل انه لم يعمل في حياته الا ببضع اخبار مأثورة عن النبي، يقول الدكتور عبد الحميد متولي عن الفرق بين المدرستين:
ظهرت في الفقه، في العصر الاموي، وعصر كبار الائمة مدرستان شهيرتان، مدرسة اهل الراي، ومدرسة اهل الحديث واضاف:
يرىاصحاب مدرسة اهل الراي: ان الشريعة معقولة المعاني والاحكام والشريعة انما تهدف- كما يقولون- الى هدف واحد هو تحقيق مصالح الناس، وعلى هذا الاساس عمدوا الى تفسير النصوص، والى ترجيح نص لحديث على نص آخر قد يكون اقوى رواية من النص الاول(اعتمادا على رايهم) والى استنباط الاحكام فيما لانص فيه ولو ادى ذلك الى الميل عن المعنى الظاهر لاحد النصوص الى معنى اخر تتحقق به المصلحة، فاصحاب هذه المدرسة ينزعون الى البحث عن العلل والغايات، التي من اجلها شرعت احكام الشريعة.
واضاف: اما اصحاب مدرسة اهل الحديث، فنجدهم يقفون عند ظاهر النص فهم لاينفذون الى باطنه، أي انهم لايعنون بالبحث عن علته وحكمته، وقال: ان اهل الراي يتهيبون الحديث كما يتهيب اهل الحديث الراي.
وعند علماء اهل البيت ظهر هذا الفرق متأخرا حيث انقسموا فريقين فمنهم من اتبع منهج النص وسمي بالمحدث او الاخباري، ومنهم من خلط النص بالعقل وسمي بـ(الاصولي).
وبالرغم من ان هذا التقسيم لم يعد اليوم حادا، اذا تقارب الفريقان لبعضهما كثيرا، الا ان نسبة اهتمام البعض بالنص واهتمام الاخر بالعقل لاتزال مشهودة في المنهج الفقهي لهذا المستنبط او ذاك..
وجاءت طائفة مستحدثة تعيد شعار حسبنا كتاب الله الى الساحة ولو بتعابير جديدة، وابرز من يشمل هذه الطائفة المهندس د.محمد شحرور الذي يقول في كتابه الذي اثار جدلا في بعض الاوساط.. الكتاب والقرآن يقول: يبقى السؤال الهام وهو موقفنا من النبي او من السنة، هنا يجب علينا وضع النقاط على الحروف، بالنسبة للنبي هناك موقفان اساسيان متمايزان منه، الموقف الاول منه، نبيا، مع مانكن له من عظيم الحب والاحترام والتقدير، والموقف الثاني منه، مشرعا.
اما الموقف الاول منه، فاني لا اتصور انسانا مسلما وعربيا، يمكن ان يقف موقفا سلبيا من النبي ثم يضيف قائلا:اما موقفنا من النبي مشرعا، فهو موقف دقيق جدا اذ كيف يمكن ان نقول: ان ما فعله النبي هو الاحتمال الاول لتطبيق الاسلام في القرآن السابع، وفي شبه جزيرة العرب، وبالوقت نفسه نقرأ الاية: (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا).
ولكي نستجلي الحقيقة في هذا الموضوع الشائك ينبغي الحديث في عدة موضوعات بصورة منفصلة عن بعضها معنى السنة، واقسام السنة، وحجية السنة، والثابت المتغير من السنة.
اولا: ما هي السنة.
تحدد اللغة معنى السنة: بأنها من السن التسهيل واليسر وسن الطريق، تعبيده، قال د. شحرور وتعني(كلمة سن) في اللسان العربي السير والجريان بسهولة، كقولنا ماء مسنون أي يجري بسهولة.
وقال المطرازي: السنة: الطريقة، ومنها الحديث في مجوس هجر سنوا بهم سنة اهل الكتاب أي اسلكوا بهم طريقهم.
وقد جاءت الكلمة في القرآن في مثل قوله سبحانه: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا).
(فهل ينظرون الاسنت الاولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا).
من هذه الكلمات نستلهم ان السنة هي المنهج والطريقة والاسلوب الذي يعتمده الشخص في حياته.
وبالرغم من استخدام هذه الكلمة في الاحاديث، وفي كلمات العلماء للتعبير عما تتصل بحياة الرسول قولا وفعلا وموقفا، الا انها لم تستخدم في القرآن بهذا المعنى.
وانى كان فالذي يستفاد من اللغة، ومن موارد استخدام كلمة السنة انها: منهج الرسول، وطريقته بما يشمل مواقفه واخلاقه وآدابه واسلوبه في ادارة الحياة، وكلماته التوجيهية شمولا مجموعيا، وليس انفراديا، أي ان جملة حياة الرسول سنته، اما كل موقف موقف،وحديث حديث فهو تطبيقات سنته، وليس هو وحده سنته، كما لو قلنا منهج فلان، فانه يشمل جملة سلوكياته، وليس مفردات سلوكه، وهذا التفسير للسنة ينسجم اولا مع موقف المسلمين من السنة حيث اتبعوا بعضها وجعلوا البعض الاخر خاصا بحياته، وبالرغم من اختلافهم في نسبة الاتباع وعدمه، من 95% الى 35% مثلا، الا ان مجرد رد مفردة واحدة من السنة بحجة انها كانت خاصة بزمانه دليل على ان معنى السنة عندهم لم يكن كل ما اتصل بحياة الرسول بنحو الاستغراق، بل جملتها بنحو الشمول.
كما ينسجم هذا المعنى مع ادلة حجية السنة، وتقسيمات السنة مما نتحدث عنهما قريبا ان شاء الله.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب