فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
(3) دخل ابن زياد الكوفة بعد ان ضم له يزيد امارتها الى امارة البصرة . دخلها مما يلي النجف ، فظن اهلها انه الحسين -عليه السلام - فعلا هتافهم " الله اكبر " إنا معك اكثر من اربعين الفا . فلما ازدحموا عليه حسر اللثام قائلا انا عبيد الله . فتساقط القوم . وتراجعوا فدخل دار الامارة . وبدأ يحوك المؤمرات ضد الثورة .. لقد انقسمت الكوفة على نفسها الى فريقين ؛ فطائفة ظلوا على ولاءهم التاريخي للبيت الهاشمي . بينما اغلب الناس ابتعدوا من العمل السياسي ، وفصلوا بين عقائدهم وموافقتهم ، وكانوا مع الذي يغلب بالسيف انى كان . فصاروا كما قال الفرزدق للامام الحسين - عليه السلام - حينما صادفه في الطريق بين الحجاز والعراق وسأله عن أهل الكوفة قال : قلوبهم معك وسيوفهم عليك ، وكان ابن زياد اخبر الولاة بأهل الكوفة . وكيف ان اكثرهم يميل مع الريح . وهكذا خطب فيهم قائلا : ان امير المؤمنين يزيد ولاني بلدكم . واستعملني مصركم ، وامرني بقسمة فيئكم بينكم . وانصاف مظلومكم من ظالمكم . واخذ الحق لضعيفكم من قويكم ، والاحسان للسامع المطيع ، والتشديد على المريب ، فاسمعوا هذا الرجل الهاشمي مقالتي ليتقي غضبي " (1) والخطوة الثانية التي قام بها ، تمثلت في تقوية الجهاز السلطوي ، الذي كان يعتمد يومئذ على نظام العرفاء ( وهم يقومون بدور الشرطة ) فأمر العرفاء بان يكتبوا اليه قائمة باسماء المعارضين في مناطقهم . ويضمنوا له بالا يخالفوه . وهددهم بأن من لم يفعل منهم ذلك ، برئت منه الذمة ، وحلال دمه وماله ، ثم اضاف : اي عريف وجد في منطقة عرافته مخالفا ليزيد ، ولم يسجل اسمه صلب على باب داره ، والغيت تلك المنطقة من العطاء . (2) والخطوة الثالثة : البحث عن قائد الحركة ، حيث اختفى مسلم - سلام الله عليه - منذ ان عرف بقدوم ابن زياد ، لمعرفته به ومدى تطرفه ، بعكس الوالي السابق ، النعمان بن بشير الذي كان معتدلا .. وهكذا اختفى مسلم في دار هاني بن عروة . وكان شيخا عظيما من شيوخ الكوفة ومعه قبائل مذجح . بينما كان من قبل ، في دار المختار بن عبيد الثقفي . استخدم ابن زياد بعض الجواسيس المتمرسين في البحث عن ابن عقيل ، حيث كان البيت الأموي قد شكل من قبل جهازا للمخابرات . معتمدا - في الأغلب - على الموالي ، وكان معقل واحدا من افراد ذلك الجهاز ، فاعطاه ثلاثة آلاف درهم ، وقال له : اطلب مسلم بن عقيل والتمس اصحابه ، فاذا ظفرت بواحد منهم ، او جماعة ، فاعطهم المبلغ ، وتلطف معهم حتى تتعرف على محل مسلم .. وفعل معقل ما امره ، حتى تسلل الى دار هاني ، حيث اتخذ منه مسلم ، منطلقا لاتصالاته باركان حركته .. ولما عرف ابن زياد ذلك ، طلب هاني ، وبالرغم من ان هاني تردد في البداية وخشي على نفسه . إلا ان اصرار بعض اقاربه الذين كانوا موالين للنظام . دفعه الى الدخول على ابن زياد . فطلب منه ان يسلم مسلم . فلما انكر واجهه بمعقل . فاعترف ، ولكنه اصر على انه لن يسلمه وقال : لا والله لا اجيئك به ، أبدا اجيئك بضيفي تقتله ؟ فلما أبى قال ابن زياد أدنوه مني فأدنوه منه فقال : والله لتأتيني به او لاضرين عنقك ، فقال هاني إذا والله تكثر البارقة حول دارك . فقال ابن زياد أبا لبارقة تخوفني ، ثم استعرض وجهه بالقضيب ، فلم يزل يضرب به أنفه حتى كسره وسال الدماء على وجهه ولحيته ، ونثر لحم جبينه ، وضرب هاني يده على قائم سيف شرطي وجاذبه ، أراد ان يدافع بذلك عن نفسه . فقال ابن زياد احروري سائر النهار ( اتهمه بأنه اصبح خارجيا ) قد حل دمك . وبعد لحظات اجتمع مئات من قبيلته حول دار الامارة ، ولكن ابن زياد كلّف شريح القاضي ، الذي قام بدور جد قذر ، في دعم سلطة بني امية الارهابية ، ومناهضة حركة مسلم التحررية ، كلّفه ليستفيد من مظهره الديني ويخبرهم بأنه صاحبهم حي ولا شيء عليه . ورأى مسلم بن عقيل - سلام الله عليه - ان ابن زياد يضيق عليه الخناق . وان عليه ان يبادر بالقيام قبل ان يؤخذ اليه اسيرا . على يد جلاوزته وجواسيسه ، خصوصا وقد فقد ابرز اعوانه هاني بن عروة . وهكذا اطلق شعاره المعروف " يا منصور امت .. " ولم يلبث ان انتشر في الكوفة هذا الشعار واجتمع الناس حوله . اما ابن زياد فقد خرج الى المسجد ومعه اشراف الناس وشرطته وحشمه . وصعد المنبر وأخذ يتوعد الناس ، وقبل ان ينزل من المنبر ، دخلت النظارة ، المسجد يشتدون ويقولون : قد جاء ابن عقيل . فدخل عبيد الله القصر مسرعا واغلق ابوابه . ونظم مسلم بن عقيل - عليه السلام - جنده في اربعة ألوية ، وامتلاء المسجد بانصاره وبدى للجميع ان حركته قد نجحت . بلى ، في مثل هذه الواقعة ، وبعد خمس سنوات من هذا التاريخ ، نجحت حركة المختار بن عبيد الثقفي ، والتي انتهت بقتل ابن زياد . إلا ان ظروف نجاح الحركة ما كانت متكاملة مع ابن عقيل ، حيث ان الذين اجتمعوا الى مسلم كانوا مجموعة من المؤيدين والانصار من عامة الناس ، بينما الاشراف والخاصة ظلوا على ولاءهم للأمويين ، إما خوفا من بطشهم ، حيث ان السلطة المركزية في الشام لازالت بايديهم . واما طمعا في عطاءهم حيث ان ابن زياد قسم بينهم اموالا طائلة . وهكذا قام ابن زياد باستقبال اشراف الكوفة من باب خلفي لدار الامارة ، وأخذ يستميلهم بالترغيب حينا وبالترهيب احيانا . ثم يطلب منهم ان يخذلوا الناس حتى يتفرقوا عن مسلم بن عقيل . وهكذا ظل مسلم سائر النهار ، ينظم الجيش ، ولكن عند العشية قام واحد من انصار الحزب الأموي واسمه كثير بن شهاب ، قام خطيبا في الناس وقال : ايها الناس الحقوا باهاليكم ، ولا تعجلوا الشر ، ولا تعرضوا انفسكم للقتل . فان هذه جنود امير المؤمنين يزيد قد اقبلت ، وقد اعطى الله الأمير عهدا لأن تممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم ان يحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتليكم في مفازي الشام ، وان يأخذ البريء منكم بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، حتى لا يبقى له بقية من اهل المعصية إلا اذاقها وبال ما جنت ايديها .. (3) كان هذا الخطاب نموذجا للدعاية الاموية ، التي كان اشراف الكوفة يبثونها بين انصار مسلم ، ممن لم تتبلور عندهم البصائر القرآنية . ولم ينتظموا الى صفوف الحركة الرسالية ولم يتربوا على قيمها بالقدر الكافي . وهكذا بدأوا يتفرقون عن مسلم ، وكانت المرأة تأتي ابنها او اخاها فتقول انصرف ، الناس يكفونك ، ويجيء الرجل الى ابنه أو اخيه ويقول : غدا أتيك اهل الشام فما تصنع بالحرب والشر ، انصرف . في التاريخ منعطفات خطيرة . كان دور الفرد ومدى وعيه بمسؤوليته ، وتمسكه بمبادئه ، هو الذي يحسم الموقف لصالح القيم او لمصلحة الجبابرة . فمثلا لولا وقفة المسلمين ببدر ، امام جيش لجب ، واستماتتهم في سبيل الدين ، لما انتصروا ، ولما كان للمسلمين هذا الشأن . ولكن أهل الكوفة يومئذ كانوا قد تعرضوا لحملات دعاية . وسلطوية ووساوس كثيرة ، من قبل ادعياء الدين ، وارباب المصالح . وهكذا لم يعرفوا ان خذلانهم للحق في تلك اللحظة سوف يكون له اثر سلبي على تاريخ المسيرة . في تلك البرهة التاريخية كانت السلطة الأموية متزلزلة ولم يكن في الشام داهية لمعاوية يستطيع ان يجمع من حولها الانصار ، وكانت بصرة على وشك الانفجار ، كذلك الحجاز وسائر الامصار . ولكن الدعاية الأموية صورت لأولئك السذج ان جيش الشام على الابواب ، ولان اهل الكوفة قد انهزموا - مرة - امام جيش الشام فقد صدقوا تلك الدعاية ، وتفرقوا عن رسول الحسين - عليه السلام - وداعية الحق والحرية ، مسلم بن عقيل عليه السلام ، وانصرفوا عنه ، فامسى وقد صلى المغرب وما معه الا ثلاثون نفسا في المسجد . وما كانت إلا لحظات حتى تفرق عنه الثلاثون . فوجد نفسه وحيدا . لقد كانت صلابة ايمانه ، واستقامة نفسه ، وصدق يقينه ، مالو وزنت بالجبال لرجحت عليها .. انه ابن الاسلام البار وربيب القرآن والعترة . إنه قدوة اولئك الرجال الذين لا يخافون في الله لومة لائم . فاذا وجدوا انفسهم بلا ناصر او معين في الأرض ، لم يستوحشوا من طريق الحق لقلة سالكيه . لذلك تراهم يتوكلون على ربهم ، ويقتحمون العقبات بمفردهم لانهم يعلمون يقينا ان الله معهم والملائكة والمؤمنون بعد ذلك ظهر . وهكذا لم تهن عزيمته . ولم يستسلم لقدره . انما اخذ يتخلل ازقة الكوفة عسى ان يهديه الله سبيلا .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|