فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الأول
تتملَّكنا الدهشة عندما نستمع إلى الوحي يأمرنا بالولاية ، ونتساءل : ما هذا التأكيد المتواصل ، وما هذه التعابير البالغة أمراً وتحريضاً وترغيباً ؟.
يقول اللـه سبحانه : { أَطِيعُوا اللـه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ } (النساء/59) .
وتتكرر أوامر القرآن بالطاعة لأولي الأمر الشرعيين والتسليم لأمرهم ، والنهي عن طاعة الطغاة والجبابرة وضرورة الكفر بهم أكثر من مئة مرة ، بصيغ مختلفة ، وضمن سياقات شتى ، كلها تهدف إلى ترويض النفس البشرية على الطاعة والانضباط ..
ويقول سبحانه وتعالى : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } (النساء/65)
وتتواصل آيات الذكر لتؤكد على الرجوع إلى اللـه ورسوله عشرات المرات وبتعابير شتى :
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ اُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ اُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } (النساء/60) .
وهكذا العديد من الآيات تنهى وبشدة بالغة من التحاكم إلى الطاغوت وتأمر باجتنابه .
ويقول ربُّنا سبحانه وهو ينهي مئات المرات عن الشرك ويعتبره ظلماً عظيماً لايغفره اللـه تعالى أبداً ، يقول : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } (الزمر/65) .
فما هو الشرك ؟ أليس هو عبادة الأصنام ؟ أليس أتخاذ الأرباب من دون اللـه شركاً ، كما اتخذ اليهود والنصارى الأحبار والرهبان أرباباً ؟..
وهكذا نجد أن الولاية الإلهية محور آيات الذكر وروح توحيد اللـه تعالى ، والسبيل إلى رضوانه ، والطريق إلى جنَّاته .
فلماذا كل ذلك ؟. إن شرح حكمة ذلك يقتضي كتباً مفصلة . ولكننا نختصرها في كلمات نرجو أن يسعفنا فيها تدبُّر القارئ الكريم ، وآفاق ثقافته الإسلامية .
أولاً : أمام الإنسان سبيلان : سبيل اللـه الذي يهديه إلى الجنة والرضوان ، وسبيل الشيطان الذي يحمله إلى سواء الجحيم . ويتَّجه كل سبيل إلى جهة ، ولكل جهة إمام ، ولكل إمام صفات وأسماء ، ولكل أمة تابعة صبغةٌ وشرعةٌ ومنهاجٌ !
والصراع الأبدي الذي لا هدنة فيه ولا مداهنة ولا حلول وسط ، أنه الصراع بين سبيل اللـه وسُبُل الشيطان .
وقد قال سبحانه : { يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُم مِنَ اللـه نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللـه مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } (المائدة/15-16) .
وولاية اللـه سبحانه ، وتولي أوليائه ، واتِّباع الإمام المختار من عنده ، والإنخراط في حزب الصالحين ، كلُّها بلا ريب الولاية الإلهية . فكيف لا تتواصى بها رسالات اللـه ورُسله وأوصياؤهم .
ثانياً : حكمة وجود الإنسان فوق هذا الكوكب ابتلاؤه ليَعلم هل يَصدق أم هو من الكاذبين ؟. هل يُخلص أم يكون من المنافقين ؟. ولا يُبتلى البشر بشيء كما يبتلى باتِّباع القيادة الإلهية ورفض جبابرة المال وطغاة السلطة ، أو تدري لماذا ؟
إن في ضمير الإنسان كبراً لابد أن يتغلب عليه حتى يصبح من أهل الجنة . وإن لم يتخلص منه باجتهاده وجهاده في الدنيا ، فإنه سوف يخلص منه بنار الجحيم في الآخرة ، لأنه لايدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر . ومحتوى الكبر النزعة السخيفة نحو ادِّعاء الربوبية . ولو تسنى لأي إنسان ما تسنى لفرعون لما امتنع عما قاله : { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى } (النازعات/24) .
وإنما يتطهر القلب عن الكبر إذا أُمر بطاعة مَن ليس بأكثر منه مالاً وولداً . إطاعته بسبب أمر اللـه . وهكذا كانت الفتنة الكبرى للناس عند ابتعاث الرسل ، إذ كيف يطيعون بشراً من أمثالهم ؟. وقد حكى اللـه تعالى عنهم بقوله : { أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } (القمر/24) .
ويتساءل البسطاء : لماذا امتحن اللـه تعالى خلقه بطاعة الأنبياء وطاعة أوصيائهم ، وقد اختارهم من أوساط الناس ؟. ويمضي المتسائل قائلاً : أولم يكن من الأفضل أن يزوِّدهم اللـه سبحانه بقوى خارقة وبأموال وبنين حتى تسهل طاعة الناس لهم ؟
كلا .. لأنه عندئذ كانت تبطل حكمة الإبتلاء ، ولم تكن تصبح طاعتهم تطهيراً للنفوس من الكبر ، وبالتالي لم يكن المطيعون لهم يزكَّون بذلك إعداداً لدخول الجنة التي هي مأوى عباد اللـه الخالصين من دنس الشِّرك والكبر .
وهكذا يبين هذه الحكمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إذ يقول : " ولو أراد اللـه أنْ يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول رداؤه ، وطيبٍ يأخذ الأنفاس عَرفُه لَفعل . ولو فعل لَظلت له الأعناق خاضعة ، ولخفَّت البلوى فيه على الملائكة ، ولكن اللـه سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله ، تمييزاً بالاختبار لهم ، ونفياً للإستكبار عنهم ، وإبعاداً للخيلاء منهم " 1 .
ويضيف الإمام (ع) في ذات السياق قائلاً :
" ولو أراد اللـه سبحانه لأنبيائه - حيث بعثهم - أن يفتح لهم كنوز الذُّهبان ومعادن الْعُقيان ، ومغارس الجنان ، وأنْ يحشر معهم طيور السماء ، ووحوش الارض لَفعل . ولو فعل لَسقط البلاء ، وبطل الجزاء ، واضمحلت الأنباء ، ولَما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الأسماء معانيها . ولكن اللـه سبحانه جعل رُسله أولي قوة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنىً ، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذىً " 2 .
وبعد بيان مفصل حول حكمة الاختبار في فصل زخارف الدنيا عن أولياء اللـه يقول سلام اللـه عليه :
" ولكن اللـه يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبَّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجاً للتكبر من قلوبهم ، وإسكاناً للتذلل في نفوسهم .
فاللـه اللـه في عاجل البغي ، وآجل وخامة الظلم ، وسوء عاقبة الكبر ، فإنها مصيبة إبليس العظمى ، ومكيدته الكبرى ، التي شاور وقلوب الرجال مشاورة السموم القاتلة " 3 .
وهكذا حرَّض الوحي على التسليم للأنبياء وأولي الأمر من خاصتهم ، وجعل فيه ثواباً عظيماً . وجاء في حديث مأثور عن النبيِّ (ص) ، أنه قال :
" إنّ أوثق عُرى الإيمان : الحب في اللـه ، والبغض في اللـه ، وتولّي أولياء اللـه ، وتعادي عدوَّ اللـه " 4.
وروي عن الإمام زين العابدين (ع) قوله :
" مَن أَحبنا لا لِدُنيا يصيبها منّا ، وعادى عدوَّنا لا لشحناء كانت بينه وبينه ، أتى اللـه يوم القيامة مع محمد وإبراهيم وعليّ " 5 .
وكما يتحدى الإنسان بالولاية نزعة الكبر وادِّعاء الربوبية في ذاته ، يتحدى بها نزعة الطمع وشهوات الدنيا ، لأن من يطيع أولياء اللـه يحاربه طغاة الأرض والمترفون في الدنيا بشتى وسائل الحرب ، بالدعاية المضادة وبالتضييق الإقتصادي ، وبالأذى الجسدي ، وحتى بالتشريد والقتل .
ولأن الولاية كانت امتحاناً عظيماً للإنسان ، جُعلت شرطاً بقبول الأعمال ، حيث إن هدف سائر الطاعات تذليل النفس البشرية المتفرعنة والمتجبرة . وتذليلها لطاعة ربها ، وتطهيرها من عبودية اللـه عن دنس الكبر والشرك والشك . وهذا الهدف يبلغ قمته بالولاية ، حيث يخضع البشر لبشر مثله لا يتميز عنه بجـــــاهٍ عريض ، ولا بثروة واسعة وإنما يأمره اللـه تعالى بذلك ، وهـذا ما تأباه النفس أشد الإبـــــاء . وقــــد
سأل بعضُهم أن يَنزل عذابُ اللـه الواقع لكي لا يؤمن بالولاية .
وها نحن نقرأ معاً أحاديث في فضل الولاية ، لنعرف مدى فضلها وكيف أنها قطب الرحى في تعاليم الوحي .
جاء في حديثٍ مفصلٍ عن أمير المؤمنين (ع) في إجابته لأسئلة زنديق :
" إن الإيمان قد يكون على وجهين : إيمان بالقلب ، وإيمان باللسان كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول اللـه (ص) لمَّا قهرهم السيف وشملهم الخوف ، فإنهم آمنوا بألسنتهم ، ولم تؤمن قلوبهم ، فالايمان بالقلب هو التسليم للرب ، ومن سلَّم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره - كما استكبر إبليس عن السجود لآدم ، واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم ، فلم ينفعهم التوحيد ، كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل ، فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ، لم يرد بها غير زخرف الدنيا ، والتمكين من النظرة ، فلذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلاّ مع الاهتداء إلى سبيل النجاة وطريق الحق " 6 .
ولذلك لم يقبل اللـه سبحانه طاعة عبد لم يقبل الولاية مهما اجتهد في العبادة والطاعة . هكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق (ع) عن آبائه (ع) ، إذ قال :
" مرّ موسى بن عمران برجل رافع يده إلى السماء يدعو فانطلق موســـى في حاجته فغاب عنه سبعة أيام ، ثم رجع إليه وهو رافع يَديه يدعو ويتضرع ويسأل حاجته ، فأوحى اللـه عزَّ وجلَّ إليه : يا موسى لَو دعاني حتى يسقط لسانه ما استجبتُ له حتى يأتيني من الباب الذي أمرته به " 7 .
فولاية الإنسان صبغة أعماله ، إنْ خيراً فخيرٌ وإن شرّاً فشرّ . لذلك جاء في الحديث المأثور عن رسول اللـه (ص) ، فيما رواه أبو سعيد الخدري :
" لو أنّ عبداً عبد اللـه ألف عام ما بين الركن والمقام ، ثم ذُبح كما يذبح الكبش مظلوماً ، لَبعثه اللـه مع النفر الذين يقتدي بهم ، ويهتدي بهداهم ، ويسير بسيرتهم إن جنة فجنة ، وإن ناراً فنار " 8 .
وهكذا الولاية تكون وجهة المجتمع ، وعليها يكون الحساب والجزاء . فقد روي عن الإمام علي (ع) عن النبي (ص) عن جبرئيل (ع) عن اللـه عزّ وجلّ ، قال :
" وعزتي وجلالي لأُعذبنَّ كل رعية في الإسلام دانت بولاية إمام جائر ليس من اللـه عزَّ وجلَّ ، وإن كانت الرعية في أعمالها برَّة تقية ، وَلأَعفونَّ عن كل رعية دانت بولاية إمام عادل من اللـه تعالى وإن كانت الرعية في أعمالها طالحة مسيئة " 9 .
فَضمنَ إطار الولاية الإلهية لابد أن نعرف شخصية الإمام السجاد (ع) وأبعاد حياته . إنه لم يكن كسائر الأنبياء والأئمة . ولا يكون خلفاؤهم من الصدِّيقيين والعلماء الربانيين طُلاب حكم وسيطرة ، أو قادة حركات سياسية كالتي نفهمها . لا ، ولكنهم سعوا جاهدين من أجل تطهير قلوب الناس من الجبت ، ومجتمعاتهم من الطاغوت . ولكن ذلك لم يكن حكمة حياتهم الأولى حتى نقول : إنهم قد فشلوا في تحقيق ذلك ، وإنما كانت الحكمة الأولى ابتلاء الناس ، حيث قاموا بتلاوة وحي اللـه وبتعليم الناس وتزكيتهم . وقد قال ربُّنا سبحانه :
{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ } (الجمعة/2) .
بلى ، كان من الأهداف السامية لبعثة الرسل ، ونهضة اوصيائهم ، وقيام أوليائهم ، إعداد الناس للقيام بالقسط . ولا أقول قيامهم بالقسط بين الناس ، لأن ذلك يوحي بالوكالة في ذلك ، وهذا ما ينفيه الوحي ببلاغة نافذة . فاستمع إلى قول ربِّك العزيز :
{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللـه مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللـه قَوِيٌّ عَزِيزٌ } (الحديد/25) .

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب